التخطي إلى المحتوى

الفيديو الذي انتشر بجنون مؤخراً في وسائل التواصل، أعاد الشاب اللبناني محمد شرارة إلى السطح شيخاً يحكي ويتلو مجالس العزاء في العراق، وبلهجة عراقية خالية من أي شوائب، أو هكذا يسمعها غير العراقيين على الأقل.

قبل أن تصل إلى منتهاها موجتا السخرية والاستنكار من توزيع محمد جيناته الوراثية على مريديه في العراق، اقتطع مشهد آخر من مجلس له يؤكد فيه يقيناً أنه مهما ارتكب المرء الشيعي من ذنوب خلال النهار، يكفي أن ينفخ الحسين في وجهه مساء، خلال مجلس العزاء، حتى تغفر كل ذنوبه. وبينما يكاد محمد يقع عن كرسيه العالي لشدة حماسته وهو يقول ما يقول، وقع الفيديوهان صاعقين على شيوخ شيعة في العراق. هالهم على الأرجح هذا الصعود المدوي لـ”اللبناني” الذي يتمسح به عراقيون كما يتمسحون بمقام من مقامات أهل البيت، وهو، المشكوك في أحقيته في عمامته نفسها، يبالغ إلى حد الخيال العلمي في رواياته المفتوحة عن الإمام الحسين وموقعة الطف المقدسة عند الشيعة.

فيديو ثالث عتيق ظهر للمنشد (هذه المرة) محمد شرارة، يحل فيه ضيفاً على قناة دينية، ويغني خلاله المراهق عتابا ومواويل دينية بأداء يحيل مباشرة إلى ملحم زين ومعين شريف وأصحاب النوع الجبلي اللبناني. تنتفخ الأوداج في عنق المغني وهو يصرخ مادحاً حيدر (الإمام علي بن أبي طالب) وسيف ذو الفقار. وحين يجيب على أسئلة الزميلة ضياء جفال، لا تُعيب عامّيته اللبنانية أي شائبة، ولا تطرّفه اللانهائي في حب أهل البيت حتماً، لكنه يشي بإدراكه الجيد للمقامات والغناء الشرقي.

مغنٍ ولبناني صرف. متى قفز من لبنان إلى العراق؟ متى صار شيخاً ونبياً دجالاً؟ متى ارتقت إفرازات جسده الطبيعية لتؤول إلى ما آلت إليه؟ متى صار لسانه عراقياً إلى هذه الحدة؟ لا يخدمنا “غوغل” كثيراً، ولا حتى منصات التواصل الاجتماعي المنقسمة بين مَن يمدحه ويلعنه، لكنها لا تقدم معلومات عنه.

لا يبقى إلا صفحاته الخاصة، وهي كما العادة، مشغولة بحرفية عالية، لتقدمه شكلاً ومضموناً، وفق الأساليب الحديثة في التصوير والتقطيع الموسيقى التصويرية وحتى عناوين الفيديوهات، لكنها لا تعرّفنا به كشخص. وهي حتماً ليست سبب نجاحه، بل العكس. فمحمد شرارة يبدو أنه بدأ سيرته “النبوية” بين الناس وليس عبر الإنترنت.

في صعوده السريع، سار محمد عكس تيارات كثيرة. بدلاً من أن يذهب إلى العراق ليتعلم صنعة الإنشاد واللطم وتلاوة المجالس الحسينية، بحسب أصولها، في منبتها، ثم يعود إلى مسقط رأسه لينافس الموجودين في الساحة، اقتحم الفتى المغامر عرين الأسد العراقي، ومن الواضح أنه نجح في إثارة حفيظة منافسيه من أبناء الكار العراقيين أنفسهم.

هذه رعونة الشباب وغرورها، وهي حقه. الشاب الوسيم ذو الصوت الشجي، لا يقدم مجلس عزاء عادياً. عرضه المُمسرح يبدو فريداً من نوعه. فالشيخ، ومن المنبر حيث يجلس، يشبه واحداً من المتصارعين المجانين على العرش في “غايم أوف ثرونز”. ملآن بشغف لا سقف له، للحكاية كحكاية. قارئ مجلس العزاء في الأساس، هو راوٍ شعبي يحكي قصة. وهذا الشاب يبدو أنه يعيش ليروي، كما لو أنه في مسرح شكسبيري.

عيناه وساعداه وجثوه على الخشبة، وصفع وجهه، وكل ما يفعل. “وان مان شو” مذهل. وفي خدمة هذه التراجيديا، يمكن لمحمد أن يتخيل ويترجل ما يشاء من مآسٍ وبطولات. يحول ليالي عاشوراء إلى خليط من ماكبث وألف ليلة وليلة. الإمام الحسين، في قصصه، ذو قدرات أسطورية تبدأ من أنه قاوم العطش في كربلاء لأن النبي كان يومياً يزوره ويرضعه من إبهامه ولسانه خلال الحصار، وصولاً إلى الحسين متفوقاً على يسوع المسيح، يستطيع إحياء سيدة ميتة بأن يقول لها “قومي يا فلانة” فتقوم من الموت.

محمد شرارة دجّال، حتى بالنسبة للدجّالين الذين تعاني المؤسسة الدينية الشيعية من مبالغاتهم في رواية السيرة. لكنه دجّال موهوب جداً، حتى يستطيع اختراق سوق مجالس العزاء العراقي ويلمع فيه. يكذب محمد كلما تنفس، ومع ذلك، فإن جموع المراهقين ممن يجلسون على الأرض أمامه يصدقون كل حرف ينطق به. يديرهم كما يدير الإضاءة والصوت وحتى الكاميرا في مسرحه. وودي ألن شيعي يكتب ويمثل ويخرج وينتج.

ما أن يبدأ بالنواح المُغنى، حتى تخفت الإنارة وتتحول إلى حمراء، بأمره. وكأي نجم روك أند رول، يجعل من جمهوره كورالاً يغني حين يريد، يصمت حين يريد، يرقص حين يريد، ويبح صوته بالصراخ حين يقرّعه بأن صوته ليس عالياً كفاية لأن يصل إلى غريب كربلاء. وقصته تسير، كما أي قصة، في خط تصاعدي. حين يكون الضوء عادياً، يعظ محمد مريديه. يكون مبشراً شبيهاً بهؤلاء المعتوهين الأميركيين الذين يتفوهون بغرائب صافية، لكن مدهشة، لأتباعهم.

لديه من الثقة بنفسه لأن يقول ما يريد، تحت سقف مكانة أهل البيت وقدسيتهم وعصمتهم المطلقة عند الله. يخوض في بحر من أسماء نساء ورجال لا ينتهي، كلهم يصبون عند الإمام الحسين، الذي يدور حوله كل كَون محمد شرارة، فيحكي، وينسب كلامه إلى صفحات في كتب يعرف أن أحداً لن يذهب إليها ليدقق. ويخترع، كغيره، حوارات لم يدونها أحد، ويروي القصة من وجهة نظر مخيلته الشخصية. يرويها بصفتها فناً قائماً بذاته، حيث الخيال دائماً أكثر قبولاً من الحقيقة، كما أنه أحلى. 

في القسم الأخير، المرتقب يومياً، يعود الخافت الأحمر، وتأتي لحظة مناسبة يخلع فيها محمد عمامته، ليصير حاسر الرأس في حضرة المصاب الكبير. ينزل عن عرشه ويحمل الميكروفون بيده. يتحول إلى نجم بوب ديني. جاستن بيبر. بينما يروي كلاماً منثوراً أو ملحناً، يكاد يرقص. يصفع وجهه ورأسه بلا توقف. يجثو على الأرض. يفتح فمه على اتساعه صارخاً. يبكي. يذهب. يجيء. يمثل صوت الاختناق وصوت البكاء، ويستغل كل أدوات جسده في التعبير. يؤدي حوارات بين أمّ ثكلى وعلي الأكبر، ابنها المقتول بعد لحظة.. يستمر في الحكاية بالشغف ذاته: ألسنة جافة لشدة العطش. أطفال يفرحون بثوب الحرب-الموت الجديد، ثم ينزلون إلى الوغى فيقتلون 17 يميناً و17 يساراً قبل أن تتكالب السيوف عليهم.. رؤوس شريفة عصية على القطع. أشقاء يلفظون آخِر أنفاسهم ويرفضون أن تخرج شقيقاتهم من الخيمة لتودعهم.. علي راح.. علي راح.. يختم نائحاً، وينوحون من بعده، في هذه التراجيديا الإغريقية التي يرتفع بناسها ويهبط، ويموج بهم، ويصل إلى الذروة جالساً على الأرض، قبل أن يُخرِج من عباءته، لا سيفاً ولا تربة حسينية ولا كتاباً مفتوحاً من الحسين إلى يزيد من حاكم، بل هاتفه الخلوي، سامسونغ على الأرجح، ليقرأ منه أبيات قصيدة، ويختم، ويختمون معه، وقد بات النبي ومريدوه كلاً واحداً: حسين حسين حسين.

في البداية كانت الموهبة. ومحمد شرارة فنان وموهوب وشغوف، وإلا، لما حقق هذا “اللبناني” نجاحاً في العراق، وخلق لنفسه هذا العدد الهائل من الأعداء أبناء المصلحة الخائفين من النجم الصاعد، صعود عبد الحليم حافظ في زمانه. العَرَق المقدس حجة واهية. والمبالغات حجة بدورها. مَن كان بين زملاء مهنته المنافسين، مَن لا يتمنى أن يصير عَرَقه مقدساً، مَن كان بينهم لا يبالغ في رواية السيرة حد الغلو المثير للضحك، فليرمِ هذا الدجال الجديد بحجر.