التخطي إلى المحتوى

الدولار بلغ أعلى مستوياته في 20 سنة مدعوما من قرار البنك الفيدرالي زيادة الفائدة (Getty)

يبدو أن ظاهرة الدولار القوي سترافقنا لسنوات طويلة، فالعملة الأميركية تقوى يوما بعد يوم مستمدة ذلك من عدة عوامل أبرزها، سعر الفائدة الذي بات الأعلى منذ العام 2008، وتدفق الأموال على أسواق “وول ستريت”، والإقبال الشديد على السندات وأذون الخزانة الأميركية بسبب العائد المرتفع، وزيادة المخاطر الجيوسياسية حول العالم، وتصاعد الأزمات الاقتصادية وفي مقدمتها التضخم والطاقة.

والأهم من ذلك هو ضعف العملات العالمية المنافسة ومنها اليورو والجنيه الإسترليني، حتى الين الذي تدحرج هو الآخر ليصل لأدنى مستوياته في 24 سنة، ما دفع البنك المركزي الياباني للتدخل للمرة الأولى منذ العام 1998 لدعمه مقابل الدولار ووقف نزيفه وتراجعه المستمر.

وعلى الرغم من الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد الأميركي وفي مقدمتها زيادة معدل التضخم، إلا أن الدولار بلغ أعلى مستوياته في 20 سنة مدعوما من قرار البنك الفيدرالي زيادة سعر الفائدة، ومن المتوقع أن يزداد قوة خلال الفترة المقبلة مع مواصلة سياسة التشديد النقدي الرامية لمكافحة التضخم المرتفع.

الدولار بلغ أعلى مستوياته في 20 سنة مدعوما من قرار البنك الفيدرالي زيادة سعر الفائدة

وفي الوقت الذي لم يجف فيه حبر قرار الفيدرالي زيادة الفائدة بنسبة 0.75% لتصل إلى 3% و3.25% مقابل نحو صفر في شهر مارس/آذار الماضي، ظهرت تقارير لبنوك استثمار مرموقة تتوقع مواصلة سياسة زيادة السعر في الشهور المقبلة، بل والوصول لمستوى 5% بحلول شهر مارس المقبل وربما أكثر، وهو ما توقعه اثنان من أكبر البنوك العالمية وهما بنك أوف أميركا ودويتشه بنك الألماني.

بل إن عددا من كبار المستثمرين الدوليين ذهب لأبعد من ذلك وهو توقع حدوث قفزة كبيرة في عائد الدولار لم تصل إليها من قبل كما توقع المستثمر مارك موبيوس، الذي قال قبل أيام إن الفيدرالي قد يرفع الفائدة إلى 9%، في إطار المعركة ضد التضخم، وهو سعر يشل الاقتصاد الأميركي، ويغرق اقتصادات الدول الناشئة والنامية في بحار الديون وتهاوي العملات والتضخم وربما الإفلاس والتعثر المالي، خصوصًا أن هذه الدول تعتمد بدرجة كبيرة على الاقتراض الخارجي في سد الفجوات التمويلية وعجز الموازنة.

إذا، سعر الفائدة على الدولار لا يتوقف عند هذا الحد المرتفع بعد أن رسم الاحتياطي الفيدرالي صورة ضبابية وربما قاتمة للاقتصاد الأميركي في بيان صدر عقب اجتماع البنك يومي الثلاثاء والأربعاء، حيث خفض توقعاته للنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة بشكل حاد، مع رفع تقديراته لمعدل البطالة والتضخم.

الفيدرالي قد يرفع الفائدة إلى 9%، في إطار المعركة ضد التضخم، وهو سعر يشل الاقتصاد الأميركي

وتوقع كذلك، نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.2% فقط في العام الجاري، كما قلص رؤيته للنمو الاقتصادي في العامين المقبلين إلى 1.2% و1.7%.

ورفع الفيدرالي توقعاته لمعدل البطالة هذا العام إلى 3.8%، كما توقع وصول معدل البطالة إلى 4.4% في العامين المقبلين. وفيما يتعلق بالتضخم، توقع ارتفاع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي بنسبة 5.4%.

الاقتصاد الأميركي ذاهب بقوة نحو ركود تضخمي، يصاحبه غلاء أسعار وزيادة تكلفة المعيشة وألم اقتصادي لملايين الشركات والأسر الأميركية عن طريق زيادة تكلفة الاقتراض على المنازل والسيارات وبطاقات الائتمان.

وطالما أن أكبر وأهم اقتصاد في العالم لا يعطس فقط، بل من المتوقع أن ينزف بشدة، فسيواصل الدولار تألقه، وهنا قل على دول الأسواق الناشئة والنامية التي تعتمد على الاقتراض الخارجي السلام، حيث ستغرق في أزمات اقتصادية وكساد للأسواق وإفلاس للشركات وتعثر جماعي.