التخطي إلى المحتوى

عماد مرتضى وأبناؤه ريم وداني وحسن جميعهم برعوا في الرياضة، ونالوا الشهادات الجامعية العليا، فماذا يقول الوالد وأبناؤه لـ “الميادين نت” عن تجاربهم؟

  • الرياضة من الوالد إلى الأبناء

قلما تجد عائلة يلعب أغلب أفرادها الرياضة على أعلى المستويات، والأهم قلما تجد عائلة تمارس الرياضة على أعلى مستوى وتتفوق في الشهادات العلمية. هذه هي حال عائلة عماد مرتضى الذي كان نجماً في كرة القدم في فريق “النجمة” الشهير في السبعينيات والثمانينيات، وهو أيضاً مهندس مدني، فيما لعب شقيقاه أيضاً في تلك الفترة كرة القدم، وحاز كل منهما شهادة الليسانس في الرياضيات. 

هذا ليس كل شيء، فأبناء عماد الثلاثة سلكوا دربه، فريم وداني بطلتان ولاعبتان في منتخب لبنان سابقاً لرياضة الريشة الطائرة أو “البادمنتون” كما تُعرف، إلى جانب نيل ريم شهادة جامعية في طب النفس وشهادة في اختصاص علاج النطق، بينما حازت داني شهادة جامعية في الهندسة، أما شقيقهما حسن فيلعب كرة القدم والريشة الطائرة، وهو الآن يتابع دراسته الجامعية في اختصاص التربية البدنية.

هي قصة رائعة لهذه العائلة المثابرة والطموحة والناجحة، وما كانت لتكون كذلك لولا توجيهات الوالد عماد وإرشاداته واهتمامه الدؤوب وعنايته بأبنائه، في كل الجوانب والتفاصيل الصغيرة والكبيرة، كما يظهر ذلك في حديثه إلى “الميادين نت”.

يقول عماد مرتضى (64 عاماً) بشأن تجربته الرياضية أولاً مع الكرة: “لعبت بداية في الستينيات مع فريق “الإخاء” الأهلي عاليه، وكنت ألعب مع الفريق صيفاً في عاليه وشتاءً في بيروت، ثم انتقلنا في السبعينيات إلى بيروت إلى منطقة برج حمود فأسسنا فريق “شباب النبعة” وكان يضم لاعبين من الدرجة الأولى، فلفتُّ انتباه المعنيين في فريق “النجمة”، وأصبحت لاعباً في صفوف الفريق حتى عام 1984”.

ويضيف: “في الفترة ذاتها، كنت أدرس الهندسة المدنية في الجامعة العربية، وكان الحارس التاريخي لمنتخب مصر ونادي “الأهلي” الشهير في الخمسينيات والستينيات، عادل هيكل، مسؤول القسم الرياضي في الجامعة، وعندما شاهدني في التمارين، قدم لي منحة في الجامعة العربية، هي المنحة الهندسية السنوية، التي لم يحصل عليها غيري من لاعبي كرة القدم، وأصبحت أيضاً كابتن فريق الجامعة العربية في الكرة”.

ويتابع عماد قائلاً: “لقد لعبت الظروف دورها، إذ إن شقيقَيّ كانا لاعبي كرة قدم، وحاز كل منهما شهادة ليسانس في الرياضيات، وكذلك كان ابن عمتي سمير الحسيني كابتن فريق “النجمة” في الخمسينيات والستينيات، وكنا نسكن البيت ذاته، ومن هنا أصبح البيت كروياً بداية من أشقائي ثم أكملت أنا على الدرب نفسه، وكان هناك أساس للعبة في المنزل هو ابن عمتي كابتن النجمة”.

أما عن المواءمة بين الرياضة والتفوق العلمي، فيقول عماد: “باعتبار أن شقيقَيّ كانا أستاذين في الرياضيات ولاعبي كرة قدم، حظيت بالدعم على الصعيدين الرياضي والعلمي وكانت الأمور ميسّرة، وتطورت في كلا المجالين أكثر من غيري، وعرفت قيمة ذلك أيضاً أكثر من غيري”.

ويشرح: “ليس من السهل أن ينجح الشخص في مجال الهندسة المدنية واللعب في الدرجة الأولى في كرة القدم، لكن التوفيق حالفني بأنني من عائلة رياضية إلى جانب تفوق شقيقَيّ العلمي، فإن ذلك ساعدني كثيراً، وهذا ما لم يُتح لكثر غيري، إذ نادراً ما ترى بيوتاً تجمع بين التفوق في الرياضة والعلم”.

  • عماد مرتضى (في المنتصف جلوساً) مع فريق
    عماد مرتضى (في المنتصف جلوساً) مع فريق “النجمة” في السبعينيات

ننتقل مع عماد للحديث عن تجربته مع أبنائه وتأثيره ودوره في أن يسيروا على دربه، ويجمعوا بين التفوق الرياضي والتفوق العلمي، فيقول عماد: “وجودي في المنزل، بالنظر إلى تجربتي السابقة، كان مسألة مهمة، إذ ساعد في نقل التجربة إلى أولادي، وكان هذا استراتيجياً ليساعدهم طيلة حياتهم سواء من الناحية العلمية أو الرياضية. لم يكن اهتمامي بهم في الجانبَين مصادفة، بل كان أمراً مقصوداً، فقد تابعت أولادي طيلة 15 عاماً يومياً، حتى في الإجازات، وأرسلتهم إلى الخارج على نفقتي الخاصة ليشاركوا في المنافسات الرياضية، وهذا كله سار في خط متوازٍ مع الدراسة، وكان ممنوعاً التقصير في أي منهما فكلاهما مهمان”.

ويشرح عماد في حديثه إلى “الميادين نت”: “حتى أنجح في ذلك، كنت متفرغاً تماماً لمتابعة أبنائي، وكنت عندما أفرغ من عملي أبدأ مباشرة النشاط الرياضي مع أبنائي، حتى زُرِعت فكرة الرياضة في عقولهم ولم يعودوا يستطيعون تركها وأصبحت عادة وجزءاً من حياتهم، فمنذ كانوا صغاراً كانوا يذهبون إلى الملاعب ويمارسون نشاطاً رياضياً حتى أصبحت الحياة من دون رياضة غير مكتملة”.

ويضيف: “كل ذلك كلفني أموالاً كثيرة من سفر وتمارين ومتابعات، إذ لا يوجد أندية تهتم بذلك، يمكن القول إنني أسست “نادياً” خاصاً بأولادي؛ لأنني كنت أعلم بأنني إذا لم أفعل ذلك أكون قد أخطأت بحقهم، وكنت أرى أن ذلك في مصلحة أولادي لأنني أرى أن الرياضة والعلم جزءان أساسيان في مستقبلهم، رغم بعض الانتقادات التي كانت توجه إليّ، لكنني واصلت على الرغم من ذلك”.

ويتابع عماد قائلاً إن اهتمامه بأولاده كان يفيده هو أيضاً رياضياً إذ “بينما يكونون في الملعب كنت أحياناً أمشي أو أركض أو ألعب كرة القدم، لذا كانت هناك أجواء رياضية موازية لي، لذا أشعر بالسعادة في الحالتين، وأصبح الجو في المنزل ممتعاً إذ كنا نستعجل بعضنا البعض في المنزل حتى لا نتأخر في الذهاب إلى الملعب”.

ويرى عماد أن “هناك نظرة خاطئة للرياضة تبدأ من المدارس وعند كثر من الأهالي، علماً أن الرياضة ثقافة يجب أن تكون موجودة في المدارس، وتحظى باهتمام كبير وتستمر طيلة العمر، أي أن تكون جزءاً من الحياة اليومية لأنها علاج للصحة الجسدية والصحة النفسية، لكن للأسف فإن كثيرين يبتعدون عن الرياضة بذريعة الوقت ومتاعب الحياة، وهذا بنظري غير مقنع، إذ إن الرياضة تصبح عادة عندما يعتاد عليها الإنسان”.

ويضيف: “الاهتمام بالرياضة يجب أن يكون من المدارس والمؤسسات والأندية والجمعيات، بالإضافة إلى دعم الدولة، إذ لا يستطيع شخص وحده أن ينجح إلا إذا كانت لديه إرادة، وتوفرت له الظروف المناسبة”.

هذا عن الوالد لكن، ماذا يقول الأبناء لـ “الميادين نت”؟

تقول ريم (25 عاماً): “لعبت رياضة الريشة الطائرة أو البادمنتون، وهي لعبة حديثة نسبياً في لبنان، لا يتجاوز عمرها الـ 20 عاماً بينما هي قديمة في العالم. بدأت اللعب في اليونان وفي نادي “هوبس”، وأحرزت الكثير من الألقاب بينها بطولة لبنان وبطولة الجامعات في لبنان التي استضافتها الجامعة الأنطونية عام 2017، وكذلك أحرزت في الفريق مع شقيقتي داني لقب بطولة لبنان مرة وأحرزنا المركز الثالث في مرة ثانية، ولعبنا في بطولة غرب آسيا لكننا لم نتوج لأن الفرق كبير مع الدول الأخرى إذ إننا نتدرب مرتين في الأسبوع بينما يتمرن البقية كل يوم لمدة 3 ساعات”.

وتضيف ريم عن بدايتها ومساعدة الوالد: “عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، وفي ظل نصائح والدي، بحسب تجربته، بأن الرياضة مهمة للصحة الجسدية والنفسية، لذا كان يريدنا أن نلعب الرياضة. بداية، كان يريدنا أنا وشقيقتي أن نلعب كرة القدم لكن، لقلة أندية الكرة للإناث حينها، اختار لنا الريشة الطائرة لأنها مفيدة جسدياً، ولأننا سنكون من الأوليات اللواتي سيلعبن هذه الرياضة في لبنان”.

وتتابع ريم قائلة: “كان والدي يصر عليّ لأتمرن، لأنني بداية لم أكن أحب الذهاب إلى الملعب، على عكس شقيقتي وشقيقي، لكن الأمور تغيرت عندما بدأت اللعب وأصبح لدي أصدقاء وبدأت أتطور، وكذلك عندما نسافر أو يأتي مدرب من ماليزيا القوية في اللعبة ليدربنا في لبنان. لكن بعد فترة تركت اللعبة، ومنذ 5 أعوام، لم أعد أتمرن أو أشارك في بطولات، لكنني في بعض الفترات أحجز الملعب وألعب وحدي”.

  • ألقاب وبطولات كثيرة لريم وداني
    ألقاب وبطولات كثيرة لريم وداني

أما عن متابعتها التحصيل العلمي والتفوق فيه إلى جانب الرياضة، فتقول ريم لـ “الميادين نت”: “في لبنان، لا يستطيع الرياضي أن يبني مستقبله، وأن يكون لديه مردود مادي وافر، لأنه لا يوجد استثمار في الرياضة، باستثناء ربما كرة السلة و كرة القدم، أما الأمور فتختلف في الريشة الطائرة حيث لا يستطيع اللاعبون في لبنان مجاراة لاعبي كثير من الدول، ومن الممكن أن يصبح اللاعب مدرباً لكن أيضاً المردود المادي غير كبير”.

وفي ما يخص اللعب إلى جانب شقيقتها وشقيقها، تقول ريم: ” أحياناً، عندما كنت لا أريد الذهاب إلى التمرين، أتشجع عندما أرى شقيقتي وشقيقي ذاهبين إلى الملعب وهذا كان حالهما أيضاً، وكذلك كان مميزاً أننا الأشقاء الثلاثة الوحيدون الذين يلعبون هذه الرياضة، ووالدي كان برفقتنا في جميع التمارين والبطولات، وحتى إنه في المباريات النهائية كان يصرخ خارج الملعب ليحفزنا للفوز”.

وتضيف: “كان الأمر مفيداً أننا نشجع بعضنا البعض، لكن من جهة ثانية، كان هناك جانب سلبي وهو المقارنة التي كان يقوم بها المدربون باعتبارنا أشقاء، وكان هذا شيئاً خاطئاً ويزعجنا، خصوصاً بالنسبة إلي لأن شقيقتي داني كانت أكثر جدية في التمارين وتريد التتويج بالألقاب”.

أما داني (23 عاماً) فتقول: “كنت ألعب الريشة الطائرة، لكن الآن بوتيرة أقل. أما لماذا اخترتُ هذه اللعبة، فباعتبار أن والدي كان رياضياً ولاعباً سابقاً في النجمة وكان يريد أن يشركنا في نشاط رياضي بعد دوام المدرسة، أخذنا إلى نادي “هوبس” واخترنا لعبة البادمنتون، وكنا نتمرن أسبوعياً ونشارك في البطولات. ومنذ 2013 حتى 2018-2019، كنت بطلة لبنان في اللعبة، وكنا نسافر إلى الخارج للعب والتدريب مثل اليونان والجزائر ودبي، بعد ذلك التحقت بالجامعة وقلّت تماريني لكنني أسست فريقاً في الجامعة، وأصبحنا ننظم بطولات جامعية”.

وتضيف: “الآن، عندما التحقت بالجامعة وأسست فريقاً وبدأت أدرب حتى أتمكن أن أصبح مدربة في اللعبة فعملت في أندية مثل “هوبس” و”المون لا سال” وكذلك منتخب لبنان. الآن، تغيرت الأمور نوعاً ما، خصوصاً أن لا دعم للعبة في لبنان، لذا لم يكن بالإمكان أن أتابع كلاعبة وأصبحت مدربة”.

أما عن التفوق علمياً مع الرياضة فتقول داني: “كانت الريشة الطائرة متنفساً لي من الضغوطات، وقد ساعدتني لأن الإنسان عندما يلعب الرياضة يصبح تفكيره أفضل في الدراسة أو العمل”.

أما عن كونهم عائلة رياضية، فتقول داني: “لأن والدي كان رياضياً فإنه يعرف الكثير عن الرياضة، وكان يشاهدنا في كل تمرين وبعده، يوجّهنا ويشجعنا لنتطور فنياً وبدنياً، وكان هناك نقاش دائم في المنزل عن الرياضة عن الريشة الطائرة وكذلك عن كرة القدم لأن شقيقي كان يتدرب في الكرة أيضاً، وهذا أفادنا كثيراً لأن البادمنتون ليست فقط تمريناً بدنياً بل ذهنياً أيضاً فالنقاش كان مفيداً لنتطور”.

من جهته، يقول حسن (21 عاماً): “أدرس التربية البدنية لأنني أحب الرياضة منذ الصغر، وكنت ألعب الريشة الطائرة وكرة القدم، وعندما أتخرج أطمح لافتتاح نادٍ للرياضة البدنية وأصبح مدرباً”.

ويضيف: “لأننا جميعنا في المنزل نلعب الرياضة، ووالدي كان أيضاً رياضياً، فإن ذلك ساعدني لأتطور، وخصوصاً أن والدي كان دائماً يتابعنا لنكون الأفضل”.

يمكن الاستنتاج مما تقدم، أن للوالد عماد دوراً كبيراً وأساسياً في هذا التفوق الرياضي والعلمي لأبنائه. إنه الوالد الذي “زرع وحصد”.