التخطي إلى المحتوى


– هذا الفيلم تتويج لثلاثية أوسلو التي بدأت في العام 2006 مع “تكرار”، واستمرت في العام 2011 مع “أوسلو، 31 أغسطس”. هل هناك إمكانية لرباعية؟

* الآن أودّ أن أبدأ تصوير الفيلم الرابع. سأنتظر قليلاً، ربما 10 سنوات. وددتُ القول أنني وشريكي في الكتابة إسكل فوكت قد خططنا للأمر منذ البداية، لكن هذا لم يحدث قط. الأفلام الثلاثة كلّها تدور حول الشعور بالضياع في اللحظات الوجودية في الحياة، لذلك أطلقنا عليها اسم ثلاثية. آمل ألا يبدو هذا مبتذلاً أو محبطاً.

– كيف تفسّر نجاح “أسوأ شخص في العالم”؟

* يتعرَّف الكثير من الناس على أنفسهم في قصة يوليا. أعتقد أننا نعيش في وقت يوجد فيه الكثير من الاهتمام لبناء هويتك. يمكننا أن نحدّد مَن نحن، ومعه تأتي توقعات معيّنة. ما هي الخيارات التي تتخذها عندما يتعلَّق الأمر بأسرتك وحبّك ومهنتك، وماذا يقول ذلك عنك؟ نضغط على أنفسنا لاتخاذ الخيارات الصحيحة، لأننا نريد أن نُقدَّر لاختيارنا إياها. لكن الحياة فوضوية أكثر من مجرد الاختيار بين شيء وآخر. هذا ما يدور حوله فيلمنا: أسئلة وجودية.

ما يساهم أيضاً في نجاحه، أننا صنعنا فيلماً للشاشة الكبيرة. إنها تجربة كاملة صوّرت على شريط فیلم 35 ملم. في النهاية، بصفتي صانع أفلام، أريد خلق مكان يحبّ الناس التواجد فيه. استمتعتُ كثيراً بفيلم “بيتزا العرقسوس” لبول توماس أندرسون، والذي وصف فيلمنا بأنه الأفضل في العالم. هذا مجاملة كبيرة. إنه بطلي، أفلامه قريبة من أفلامي. معه يتعلق الأمر أيضاً بالمواقع والشخصيات وسلوكهم. الحبكة أقل أهمية. المزيد والمزيد من رواد السينما منفتحون على هذا: فيلم بلا قصة.

إذا كان الناس يريدون التحدث فقط عن الحبكة، فعندئذ أسأل نفسي: نعم، إلى أين أنا ذاهب، كيف سأشعر، ما هي الصور التي أراها؟ لهذا السبب نحب أفلام ديفيد لينش، أليس كذلك؟ تريد عالماً مليئاً بالعاطفة، شيئاً مرئياً. يمكن لصانعي الأفلام العظماء القيام بذلك، وهذا ما أحاول تحقيقه.

– ذكرتَ أن جوهر هذا الفيلم تمثّل في رغبتك في العمل مرة أخرى مع الممثلة الرئيسة ريناتي رينسف، بعد دورها الصغير في “أوسلو، 31 أغسطس”. ما الذي يميّزها؟

* لديها موهبة لا يمكن تقليدها، عفوية طبيعية لا تمتلكها سوى قلة قليلة من الناس. طاقتها وأداؤها الجسدي يتخطّيان حدود الشاشة، حين تجري وحين تسقط، يبدو الأمر سينمائياً للغاية. يمكن أن تكون مرحة للغاية، كما إنها ذكية وذهنها حاضر دائماً، وقادرة على أداء بعض المواقف الخطيرة والصعبة. لديها قدرة رائعة على كشف وترجمة المشاعر، وحين تظهر أمام الكاميرا تخطفها على الفور. أنا من أشد المعجبين.

– شخصية يوليا ملفتة ومعقّدة. كيف عملت على رسمها؟

* تنبع الكوميديا ​​والدراما من الخصوصية. أهتم كثيراً بالتفاصيل، على سبيل المثال، ضوء الصباح في شارع معيّن في أوسلو عندما تكون في حالة حب، أو ذلك الأبّ الذي يذكّرني بشخص أعرفه. جلبت ريناتي أيضاً ملاحظات دقيقة. بما إنها قرأت كل نسخة من السيناريو، فقد أجرينا محادثات ممتعة للغاية.

كل شخصياتي تأتي مني، أشعر أنني أعرفها. كنت أنا وإسكل نناقش مَن يمكن أن تكون يوليا، وفجأة أصبحت شخصية. بالإضافة إلى ذلك، كما أسلفتُ، كتبنا الدور تحديداً لريناتي. رغم أنها ليست مثل يوليا تماماً، إلا أنها شكّلت الشخصية جزئياً ومنحتها الحياة في النهاية.

– لماذا برأيك لم تنل ريناتي رينسف المزيد من الفرص للاضطلاع بأدوار البطولة من قبل؟

* الإجابة اللئيمة، ربما، أن زملائي في النروج لا بد أن يكونوا مكفوفين، لكن ينبغي الإشارة إلى أنه، بالرغم من أن الوضع يتغيّر، ما زال هناك نقص في الأدوار المعقّدة للبطولات النسائية. المفارقة هي أنه في الماضي كانت تلك الأدوار حاضرة في السينما الأوروبية: فكّر في أنتونيوني، غودار، برغمان. في كثير من الأحيان، كانت أفلامهم نتيجة تعاون مع ممثلات بعينهن ارتبطن معهن بعلاقات عاطفية.

– في الفيلمين السابقين، كان البطل رجلاً، فهل كان قرارك إعطاء دور البطولة لامرأة في هذا الفيلم قراراً سياسياً؟

* أودّ القول إنه كان قراراً واعياً، لكن لا، على الرغم من حقيقة أن البيئة تؤثّر فينا وهذا الموضوع حاضر جداً في النقاشات الحالية. ما حدث هو أنني أصبحت أكبر سناً وأقوى، ما يسمح لي بأن أكون أكثر تعرُّضاً للنقد. بصرف النظر عن جنس الشخصية الرئيسة، فهي شخصية أحاول من خلالها مفاوضة العلاقة بين الخيال والأحلام والفناء. الوقت يمرّ بسرعة، واكتشفت أن الحياة محدودة، وأن العلاقات التي اعتقدنا أنها عابرة كانت في الواقع مهمة للغاية.

تأتيني الكثير من الأسئلة حول ذلك. عادة ما تكون مجاملة. ترى نساء كثيرات أن هذه هي قصتهن. ثم السؤال التالي: كيف يُعقل أن رجلين كتبا هذه الشخصية؟ لكن مع ريناتي لم نجر أي محادثات حول الجنس. اعتقدتْ أن السيناريو كان جيداً، وكانت أكثر اهتماماً بالتفاصيل. بالنسبة لي، يبدأ عمل الشخصيات كمخرج فقط، وليس ككاتب سيناريو. ثم نبدأ في النظر إلى الملابس والتوقيت والمظهر وأشياء من هذا القبيل. وهذه أيضاً هي اللحظة التي يترك فيها الممثل بصمته على الشخصية. الممثلون يساعدون في إعطاء الفيلم حقيقيته وواقعيته.

– في الفيلم خطوط واضحة تؤشر على النقاشات الدائرة حول الصوابية السياسية والتغيّر المناخي والنوستالجيا والجدل المصاحب لحركة “أنا أيضاً”. هل أردت فتح نقاش بين المشاهدين؟

* أشعر مؤخراً أننا نعيش في بيئة عدوانية للغاية، ومستقطبة تماماً، حيث يتعين عليك الانحياز لجانب أو لآخر طوال الوقت. الأمر كله يتعلّق بتبني آراء قوية وحاسمة. أتفهَّمُ إلحاح التغيير، فمن يمكنه الاختلاف؟ لكني أحتاج أيضاً إلى مساحة رمادية مترددة وغير مؤكدة، لأكون إنساناً، لأشعر أنني مخطئ. أعلم أنني رجل وأنني أتمتع بامتيازات كوني رجلاً. لكني ما زلت أعتقد أننا جميعاً بحاجة إلى أن نكون قادرين على القول “أنا لا أعرف”.

هذه الأمور الكبيرة حاضرة في الفيلم، لأنني أردت التطرق إليها، لكن ليس لدي أي شيء أدافع عنه. أحاول أنا وشريكي في الكتابة إسكل فوكت أن ننظر إلى كل شيء من جميع الجوانب. نحن مهتمون بالسلوك. بالنسبة لنا، يتعلق الأمر بإظهار ضعف الشخصيات، وليس الإدلاء ببيانات.

رسام الكاريكاتير أكسل [حبيب يوليا – المحرر]، على سبيل المثال، كان مشهوراً في التسعينيات. تمحور إحساسه بالحرية حول إثارة الجدل والصدمة وكسر القواعد: اللعنة على الكبار والبرجوازية! ثم تمرّ بضع سنوات ويقول له جيل الألفية على شاشة التلفزيون: ما صنعته في الغالب هو مازوشي وطفولي. لا يهتم الجيل الجديد بالصدمة، بل يبحث عن عناصر دقيقة وحاذقة في الثقافة. ويمكنني أن أفهم ذلك أيضاً. الجيلان يريدان الشيء نفسه: الحرية والصدق والحقيقة. وفجأة وجدا نفسيهما على طرفي نقيض في نقاشٍ. وجهة نظري ليست أن أحدهما على حق والآخر مخطئ. بالنسبة لي، يتعلّق الأمر بتعقيد الوقت أثناء مضيه قدماً. وظيفتي كفنان أن أنظر إلى الاختلافات والهزل والنكات والتراجيديا في صراع الأجيال هذا.

– هل وقعت في فخّ الرقابة الذاتية أثناء كتابة وإنجاز الفيلم؟

* لا أتمنى أن أكون كذلك. هذه قضية أثيرها بالفعل في الفيلم، هذا التفاعل الصعب بين قلقنا من إساءة فهمنا، والحاجة العميقة لقول شيء ذكي في أوقات الفوضى. لحسن الحظ، أشعر بحرية كبيرة، لكن في “كانّ” – أثناء عرض الفيلم للمرة الأولى – شعرت بالدوار مع مشهد السدادة القطنية. هذا فيلم صغير صنع في النروج ويشاهده الآن الناس في جميع أنحاء العالم.

– يمزج الفيلم أنواعاً فيلمية عديدة بحيث يصعب العثور على مراجع محددة.

* أردنا القيام بشيء غير نمطي بعض الشيء. من ناحية، هناك تكوين كوميدي-رومانسي على غرار سينما جورج كوكور وإريك رومير، أردنا فيه تجسيد فكرة القيام بشيء يملك خِفّة وطيشاً. من ناحية أخرى هناك دراما جادة. أنا إسكندنافي، أحبُّ برغمان، أحب اللقطات الطويلة لأشخاص يتعاملون مع خطب ما، والسينما تمنحك إمكانية أن تكون أقرب ما يمكن إلى شخص ما. يمكن للكاميرا أن تمنحك علاقة حميمة عنيفة. لذلك كان التحدي هو استكشاف الطاقتين معاً.

– يبدو الفيلم أحياناً وكأنه مقطوعة جاز، وفي أحيان أخرى يبدو ككوميديا ​​رومانسية. كيف عملت على نسج الأنواع؟

* أردت أن أشعر وكأنه “ميوزيكال”، مع الاستغناء عن الرقصات والأغاني، ولكن باستخدام حركة الكاميرا والألوان النموذجية لهذا النوع الفيلمي لخلق موجة من المشاعر. من ناحية أخرى، أردت مناقضة القصة الشخصية ببنية أدبية تترك مجالاً للتنفس، لذا استخدمت بنية تقسيم الفيلم إلى فصول، مع خيوط سردية صغيرة، ما سمح لي بحذف أشياء كثيرة.

– ألم تشعر أنك مقيَّد بهذا الإطار التقسيمي؟

* في السينما نقدّر العفوية والحميمية، لأننا نريد أن نشعر بالقرب من الشخصيات، وفي الحبّ يقال لنا أنه إذا كنت حراً، فكل شيء أسهل، لكن المفارقة هي أنني أكتشف ذلك في الحياة كما في الفنّ: أنت بحاجة إلى إطار لتشعر بالحرية. تماماً كما أن فكرة الزواج الأحادي والمنزل الآمن والسعيد مكاناً للاسترخاء والشعور بالإنجاز، تقف في مقابل السعي المرتبك وتبديل الاختيارات على طول الطريق؛ في هذا الفيلم، سمح لي استخدام عنصر بنائي بإنشاء مشاهد سردية شديدة الطول، وسمح لنا بأن نكون قريبين جداً من الشخصية وتوليد توقع/احتمال للتقدم ونمو الأمور. مع تقدمي في السن، يبدو أنني أصبحت متحفظاً، لكني أجد التفاعل بين البنية المنهجية والحرية محفزاً للغاية.

(*) يُعرض حالياً في القاهرة.
(**) رُشّح الفيلم لجائزتي أوسكار أفضل فيلم دولي وأفضل سيناريو أصلي. وفازت الممثلة ريناتي رينسف بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان “كانّ” العام 2021.