التخطي إلى المحتوى

شكلت علاقة بيتهوفن مع اعترافاته في عرض حكائي على مسرح مونو مشهدًا جميلًا يتحاور فيه الأدب والموسيقى بأناقة وحساسية من خلال نص كتبه الأديب الفرنكوفوني الكسندر نجار بالفرنسية “اعترافات بيتهوفن”، الذي عُرض في مهرجان البستان الدولي للموسيقى قبل عامين في حضور لافت لكل من الموسيقار العالمي عبد الرحمن الباشا والممثل القدير جان – فرنسوا بالميه، وترجم هذا العمل الشاعر هنري زغيب في طبعة صدرت عن “دار سائر المشرق” بالعربية، فجاء النص متدفقاً بانسيابية الحضور وحركية التماهي والتنافر في حياة بيتهوفن.

هذه الاعترافات جاءت كنوع من يوميات خيالية لمؤلف موسيقي كبير رفع القناع عن عظمته ليقحمنا في دواخل ذاته من خلال أداء مميز جداً للممثل بديع أبو شقرا، الذي جمع بتوازن دقيق بين شخصية بيتهوفن والراوي.

 

 

اختصت قراءات أبو شقرا بتشريح حياة رجل عظيم هو بيتهوفن بدءاً من طفولته، والصمم الرهيب الذي أصابه منذ سن السابعة والعشرين ، وصولاً الى مغامراته التعيسة، وعلاقاته المضطربة مع أخته وابن أخته، وثوراته على راعيه ومرضه ووفاته، ليبرز من خلاله وجه بيتهوفن، هذا العبقري الذي سار في درب عسير تاركاً وراءه أعظم نتاج موسيقي عرفه العالم بلا منازع…

نسيج حياته
مسرح مونو غصّ بمشاهدين متعطشين للثقافة المسرحية، لذلك المونولوغ الذي قرأه أبو شقرا متذوقاً جماليته ومنجرفاً في نسيج حياة بيتهوفن ومجتمعه…

انتقل ابو شقرا بين محطات رئيسية تحدث فيها عن حياته وهو جالس على كرسي، ينعكس خيال جسده وحركته على المقلب الآخر من المسرح وهو يملي على مخيلتنا كل شيء عن بيتهوفن.

جلس هناك بنبرة صوت مضطربة ليقرأ لنا معرّفاً علاقة بيتهوفن بوالده وغيرته من العلاقة السليمة التي جمعت موزار وابيه…

ينظر ابو شقرا الى الورق امامه ليقرأ بلوعة وبكثير من الذهول المتوَّج بألم شديد عقدة بيتهوفن من والده قائلاً: “أبي يوهان ليس والدي، بل أنا حقيقة إبن ملك بروسيا… أمر غريب … والأغرب أنني لم أنفِ هذه الشائعة مع أنها محرجة لسمعة أمي، والسبب بسيط: حفر فيّ أبي جروحاً معنوية عميقة تجعلني لا أمانع أن أبادله بملك…”

بعد الضحك عن علاقته الفاشلة بالنساء والتي اوصلته الى خواتيم غير سعيدة لأن غالبيتهن حصرن علاقتهن به بهالته كموسيقار شهير، أسمع أبو شقرا جمهوره محاولة بيتهوفن العيش مع شعور أبوي مزيف أراده مع إبن أخيه كارل، والتي لم يكتب لها النجاح أبداً…

كشف ابو شقرا واقعاً نعيشه اليوم وعرفه بيتهوفن عن كثب أننا نعيش في منفى داخل أنفسنا. أما السبب الذي نستشفه خلال قراءات أبو شقرا فهو ان بيتهوفن دفع ثمناً باهظاً كونه أصم ما جعله يشعر دوماً بأنه مطرود من العالم.

أثبت أبو شقرا نفسه على الساحة الثقافية والمسرحية معطياً للدور مكانته من خلال اعترافات تحولت فعلياً الى محاكاة مع الذات والجمهور، فيها الحزن والخيبة والفرح، ولاسيما من خلال قراءات أبو شقرا عن مؤلفات بيتهوفن الموسيقية قائلاً: في العام 1806، وضعت السمفونية الرابعة، وصممت الخامسة والسادسة، وأنجزت الكونشرتو للكمان والأوركسترا، وألّفت رابع كونشرتو للبيانو والأوركسترا، وثلاث رباعيات للوتريات، والسوناتا 23 التي سمّيتها “الشغوفة”.

في هذا السياق، كان لعازف البيانو نيكولا شفرو دور مهم في العرض من خلال أدائه بين حلقة قرآئية وأخرى مقطوعات لبيتهوفن انطلقت في بداية هذا العرض الحكائي بسوناتا “ضوء القمر”، واحدة من اشهر مقطوعات الموسيقى المعروفة على مستوى العالم، كشف من خلالها عمق الكتابة الموسيقية وماهيتها لينطلق مع مراحل حياة بيتهوفن، في وقفة أخرى مع سوناتا البيانو رقم 1 بنمطها التقليدي كما كان رائجاً في زمن بيتهوفن، مع تسجيل انتشار الشعور بالتوتر والاضطراب في كل مكان من خلال الحركات الأولى، الثانية، الثالثة والرابعة للسوناتا وصولاً الى السوناتا الرقم 31 “للتموجات” الثلاثة، وهي تشكل ذروة التأليف الذي يشهد على ايقاع عصري بامتياز…

[email protected]
Twitter :@rosettefadel