التخطي إلى المحتوى

يصعب إطلاق توصيف جوهريّ على المشهد التشكيلي السوري، لِما في تجارب المشتغلين فيه من تنوّع، إنْ كان لناحية النظرة إلى اللوحة والعالم، أو لناحية التقنيات المستخدمة أو المواضيع المتناولة. غير أن هذه الصعوبة لا تمنع من استخلاص مشتركاتٍ بين أبرز التشكيليين السوريين.

من هذه المشتركات الصرامةُ والجدّية اللتان تسِمان أساليب وأجواء لوحات “رموز” التشكيل السوري، من لؤي كيالي وشخوصه البائسة إلى فاتح المدرّس وأجوائه المهيبة، بمروراً بعوالم إلياس الزيات ونذير نبعة ومروان قصّاب باشي ويوسف عبدلكي. مشترَكٌ لا يحيل بالضرورة إلى سوداوية أو تشاؤم ما، بل إلى مسعى نقدي، أو رغبة واقعية في تصوير مجتمع يرزح تحت البؤس والقمع منذ عقود.

قِلّةٌ هم الفنانون السوريون الذين لجأوا إلى لغة تهكّمية، أو أقلّ كلاسيكية، لتصوير ما يريدون تصويره من قضايا عمومية واجتماعية وشخصية، وهؤلاء في الغالب فنانون من الذين بدأوا العمل منذ نهاية التسعينيات وما تلاها، كما هو حال الفنان خالد التكريتي، الذي يستضيف “غاليري كلود لُمان” في باريس معرضاً له بعنوان “حرّيات: لوحات 2007 ــ 2022” يستمرّ حتى الثالث والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

تبدو أعمال تكريتي (1964) في قطيعةٍ مع تلك الجدّية المفرطة في لوحات “معلّمي” التشكيل السوري، إذ نجد أنفسنا في معرضه أمام شخصيات ضاحكة، وربما مُضحكة، نُقابلها في وضعيات طريفة (على درّاجة هوائية أو نارية، وربما في عربة تسوّق)، وبألوان فاقعة أحياناً، تذكّرنا، عن قصد، بعوالم البوب آرت وخفّته.

“درّاجة 2″، 2015 (من المعرض)

كلّ هذه الفكاهة، والغرائبية، تُحيلنا إلى تلك الحرّيات التي يستحضرها الفنان في عنوان معرضه، مثل الجسد الذي يخرج من ميكانيكيّته اليومية ليتمدّد بين عجلتَيْن هوائيتين منفصلتين، أو الشاب الذي يرتدي ثياباً تضرب بعرض الحائط “قواعد” التقسيم الجندري، أو ذاك الجسد الذي يرقص والابتسامة تعلوه، غير آبه بنظرات الآخرين.

لكنّ هذه الخفّة التي تطفح من اللوحات لا تُبعد أنظارنا عن القلق الذي يعتري شخوص تكريتي، بل ربما تكون الخفّة دليلاً على السوداوية، وحيلة دفاعية ــ بالمعنى الفرويدي للمصطلح ــ تلجأ إليها هذه الشخوص لمواجهة ما لا يُحتمَل.