التخطي إلى المحتوى

إذا كنت مرتبكا بشأن ما إذا كان الاقتصاد الأميركي في حالة ركود، فأنت لست وحدك! فمن ناحية، انكمش الناتج المحلي الإجمالي -وهو مقياس رئيسي للناتج الاقتصادي- للربع الثاني على التوالي، مما أثار مخاوف من أن البلاد قد دخلت -أو ستدخل قريبا- حالة الركود. من ناحية أخرى، لا يزال سوق العمل قويا جدا، مما يخبرنا أن الاقتصاد لا يزال معافى وبخير.

ولا توجد قاعدة ثابتة تحكم ما يحدد الركود في الولايات المتحدة. بدلا من ذلك، يتم تحديد التعيين الرسمي من قبل 8 اقتصاديين يعملون معا تحت مظلة المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية “إن بي إي آر” (NBER)، وهي منظمة خاصة غير ربحية، وحتى اليوم لم يتم استخدام وصف “الركود”.

تسيس مسألة الركود
قبل نهاية الشهر الماضي، أثار البيت الأبيض بعض الانتقادات عندما أصر عدد من كبار مساعدي الرئيس جو بايدن على القول إن الاقتصاد ليس في حالة ركود.

واتهم الكثير من الخبراء إدارة الرئيس بايدن بأنها تحاول تغيير تعريف قديم شبه متفق عليه يُعرف الركود بأنه “انخفاض الناتج القومي الإجمالي لربعين متتاليين”.

وكانت بيانات مكتب التحليل الاقتصادي قد أشارت إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني هذا العام (1 أبريل/نيسان-30 يونيو/حزيران) بنسبة 0.9%، في حين انخفض الربع الأول (1 يناير/كانون الثاني-31 مارس/آذار) بنسبة 1.6%.

وتاريخيا ومنذ 1948، وفي كل مرة انخفض فيها الناتج المحلي الإجمالي لربعين متتاليين على الأقل، يتم الإعلان عن دخول البلاد مرحلة الركود الاقتصادي.

ويقول البيت البيض إن البيانات الاقتصادية الشاملة المتعلقة بسوق العمل والبطالة وحجم الإنفاق الاستهلاكي والتجاري والإنتاج الصناعي ومعدلات الدخل، يجب أن تدخل ضمن التعريف الحقيقي للركود.

واتهم الجمهوريون البيت الأبيض بأنه يغير تعريف الركود حتى يتمكن من التظاهر بأننا لسنا في حالة ركود.

وتعتقد الخبيرة الاقتصادية سيما شاه أنه “في حين أن ربعين متتاليين من النمو السلبي هو من الناحية الفنية ركود، فإن البيانات الاقتصادية الأخرى في الفترة نفسها لا تتفق مع الركود”.

لسنا في حالة ركود

يرى بعض الخبراء أن تعريف الركود ليس بالأمر السهل، ويمتد إلى ما هو أبعد من مجرد مدة الانكماش إلى مدى عمقه وانتشاره في جميع قطاعات الاقتصاد.

واعتمد البيت الأبيض وبنك الاحتياط الفدرالي على هذا المنطق، وقال رئيس بنك الاحتياط الفدرالي جيروم باول إنه لا يعتقد أن الاقتصاد في حالة ركود حقيقي، بل إنه شكك في دقة بيانات الناتج المحلي الإجمالي، وقال باول “ما لدينا الآن لا يبدو ركودا. والسبب الحقيقي هو أن سوق العمل يرسل إشارات تعكس القوة الاقتصادية التي تجعلك تشكك حقا في بيانات الناتج المحلي الإجمالي”.

وبينما توقع الاقتصاديون أن يظهر تقرير الوظائف لشهر يوليو/تموز الماضي تباطؤا في وتيرة نمو الوظائف، تجاوزت الأرقام كل التوقعات، إذ أضاف الاقتصاد الأميركي 528 ألف وظيفة الشهر الماضي، في أكبر قفزة منذ فبراير/شباط الماضي.

ولا توجد سابقة تاريخية تشير إلى أن الاقتصاد في حالة الركود يمكن أن ينتج عنه 528 ألف وظيفة في شهر واحد، في الوقت ذاته انخفضت معدلات البطالة لتبلغ 3.5%، وهو ما يعد أدنى نسبة منذ عام 1969.

وجاءت أرقام زيادة فرص العمل لتعكس تعويض الاقتصاد الأميركي كل الوظائف التي فقدت إثر تفشي وانتشار فيروس كورونا التي استمرت على مدى عامين كاملين.

ودفع ذلك ليبقى سوق العمل مصدرا لقوة الاقتصاد بين أولئك الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة يمكن أن تتجنب الركود.

واليوم هناك نحو وظيفتين مفتوحتين لكل باحث عن عمل، إلى جانب مستويات منخفضة تاريخيا من تسريح العمال. ويخلق الاقتصاد ما يزيد 400 ألف وظيفة شهريا منذ بداية العام، كما أن مرتبات الموظفين تشهد نموا في الوقت ذاته، وهذا لا يبدو كأنه ركود طبيعي.

من هنا حذر البعض من أن التصميم على توصيف الركود طبقا للانكماش الاقتصادي لربعين متتاليين، في الوقت الذي يستمر فيه الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي في الارتفاع، وورود أرقام جيدة من سوق العمل، حيث يصبح من السابق لأوانه أن نصف الوضع الحالي بأنه ركود.

نحن في حالة ركود
بلغت معدلات التضخم خلال النصف الأول من هذا العام أعلى مستوياتها التاريخية في الولايات المتحدة، وهو ما يلتهم قوة الإنفاق الاستهلاكية.

وخلال شهر يونيو/حزيران الماضي، ارتفعت أسعار متوسطات السلع بالنسبة للمستهلكين الأميركيين إلى معدلات جديدة وصلت إلى نسبة 9.1% على أساس سنوي.

ودفع ذلك لتدَخّل بنك الاحتياطي الفدرالي برفع أسعار الفائدة لتجنب الركود. وفي المرات الـ11 التي رفع فيها البنك أسعار الفائدة، نجح في تجنب الركود 3 مرات فقط. وخلال كل دورة من تلك الدورات، كان التضخم أقل مما هو عليه اليوم. وقد جعل ذلك بعض المحللين والمشاركين في السوق متوترين بشأن الركود المحتمل أو الواقع بالفعل.

وإذا استمر التضخم عند مستويات مرتفعة، فإن ذلك سيؤدي إلى أكبر محفز للركود على الإطلاق، وهو أن يستمر رفع بنك الاحتياط الفدرالي لأسعار الفائدة التي بلغ مجموعها بالفعل 2.25 نقطة مئوية، ويمكن أن تزيد عن ذلك قبل نهاية العام.

ويتسبب تشديد السياسة النقدية لبنك الاحتياط الفدرالي في توترات في وول ستريت ولدى المستهلكين.

ويؤكد العديد من الخبراء أن رفع سعر الفائدة من قبل بنك الاحتياط الفدرالي لمعالجة التضخم يؤجل الركود فقط لحين أن نشعر به جميعا في عام 2023.

صعوبة اليقين بشأن الركود
على الرغم من عدم إعلان البنك الوطني للبحوث الاقتصادية عن دخول الاقتصاد الأميركي مرحلة الركود، فإن الاقتصاد بعيد كل البعد عن الخروج من حالة عدم اليقين الحالية خاصة مع استمرار ارتفاع نسب التضخم الشهرية، واستمرار رفع بنك الاحتياط الفدرالي أسعار الفائدة، إضافة للانخفاضات الكبيرة التي يعرفها تاريخيا سوق الأسهم والسندات الأميركي.

ويقول العديد من الخبراء الاقتصاديين الذين يشككون في حدوث ركود في الوقت الراهن، إنه من الممكن للغاية حدوث ركود قبل نهاية العام أو مع بداية العام المقبل.”الجزيرة”