التخطي إلى المحتوى

في آذار (مارس) 2021، عندما كان الاحتياطي الفيدرالي مستمرا في شراء الأوراق المالية شهريا بقيمة 120 مليار دولار، رفع مصرفيو البنك المركزي في البرازيل سعر الفائدة القياسي بواقع 0.75 نقطة مئوية على خلفية مخاوف من أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية العالمية من شأنه أن يتسبب في التضخم.
استغرق الأمر عاما آخر قبل أن يدرك البنك المركزي الأمريكي حقيقة أن ضغوط الأسعار ستثبت أنها بعيدة كل البعد عن كونها مجرد ضغوط عابرة، ليرفع في نهاية المطاف هدف الأموال الفيدرالية من مستوى قريب من الصفر. وبحلول ذلك الوقت، زادت البرازيل تكاليف الاقتراض إلى 11.75 في المائة.
أثبت الوقت أن الأوصياء النقديين في البرازيل كانوا محقين في ذلك. ومع هذا، فإن تأخر الاحتياطي الفيدرالي في إبقاء التضخم تحت أنظاره من غير المرجح أن يترك الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية – أو لو كانت تقع في أي مكان – سالمة من الأذى.
الاحتياطي الفيدرالي الذي رفع سعر الفائدة بواقع 75 نقطة أساس للمرة الثالثة على التوالي الأربعاء الماضي، يحاول الآن اللحاق بالركب. هذا قد يكون أفضل مسار لاقتصاد الولايات المتحدة، إلا أن عدائيتها هي التي أطلق عليها موريس أوبستفيلد، من معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، مصطلح سياسات “إفقار الجار”، التي يتم من خلالها تصدير عواقب أخطاء الاحتياطي الفيدرالي بطريقة فعالة من الولايات المتحدة لإثقال كاهل شركائها التجاريين.
عززت أسعار الفائدة الأمريكية المرتفعة الدولار، الأمر الذي أدى إلى تفاقم التضخم في أماكن أخرى من خلال رفع تكاليف السلع التي يتم تسعيرها في أغلب الأحيان بالدولار.
الآن انطلقت “حرب عملات عكسية” بكامل قوتها، بعدما تخلت السلطات النقدية في جميع أنحاء العالم عن زياداتها القياسية للفائدة بواقع ربع نقطة لمصلحة زيادات تراوح بين 50 و75 نقطة أساس- وفي حالة السويد وكندا – كانت التحركات بواقع 100 نقطة أساس لإيقاف الانخفاض مقابل الدولار.
ارتفاع أسعار الفائدة ضروري لكبح التضخم، لكنه أصبح عدوانيا للغاية لدرجة أن البنك الدولي حذر خلال الأسبوع الماضي من المخاطرة بدفع الاقتصاد العالمي إلى ركود مدمر من شأنه أن يترك أفقر دول العالم عرضة لخطر الانهيار.
وصف البنك الدولي الوضع الراهن بأنه يشبه أوائل الثمانينيات، عندما أدى ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وتراجع التجارة العالمية إلى تفجر أزمة الديون في أمريكا اللاتينية وموجة من التخلف عن السداد في دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
يبدو أن هذه المقارنة صحيحة، فمنذ الأزمة المالية العالمية 2008، استخدم الاحتياطي الفيدرالي وغيره من البنوك المركزية في الأسواق الرئيسة موجات تلو أخرى من التحفيز، وقد ترك ذلك أسعار الفائدة العالمية عند مستويات منخفضة للغاية بقيت عندها أعواما. نتيجة لذلك- إضافة إلى الجائحة- اقتربت الديون الدولية من أعلى مستوياتها على الإطلاق.
ومع ارتفاع تكاليف التمويل، يسعى مزيد من أفقر دول العالم للحصول على دعم من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وفي غضون ذلك، كانت الصين تقدم دعما طارئا بقيمة عشرات المليارات من الدولارات لدول مثل سريلانكا وباكستان والأرجنتين- ما أوجد حالة من عدم الارتياح بين الدائنين الغربيين، الذين ينظرون إلى عمليات الإنقاذ على أنها غامضة ويجادلون بأنها تجعل هذه الدول خاضعة لبكين.
ويدعو بعض الاقتصاديين إلى وعي أكبر بالآثار غير المباشرة لسياسة الولايات المتحدة النقدية ومزيد من التعاون الدولي.
قال راجورام راجان، الأستاذ في كلية بوث للأعمال في جامعة شيكاغو والرئيس السابق للبنك المركزي الهندي: “إذا أفرطت دولة فقيرة في الاقتراض في الأوقات الجيدة لأن أسعار الفائدة العالمية منخفضة، فما هي مسؤولية الولايات المتحدة عن ذلك؟ أليس لديها أي مسؤولية؟ ينبغي لنا إيجاد حل وسط”.
مع ذلك، من الصعب أن نرى ما يمكن أن يفعله البنك المركزي الأمريكي سوى رفع أسعار الفائدة. فعندما سئل جاي باول عن التداعيات العالمية لإجراءات بنك الاحتياطي الفيدرالي الأربعاء، أشار إلى أن لديه تفويضا لخفض التضخم المحلي وحماية الوظائف المحلية، على الرغم من إدراكه لما كان يحدث في أماكن أخرى. ويتضح من توقعاته الاقتصادية أن الاحتياطي الفيدرالي يعتقد أن أفضل طريقة للوفاء بهذا التفويض هي فرض زيادة أخرى بواقع 75 نقطة أساس في الاجتماع المقبل، يلي ذلك ارتفاع بواقع 50 نقطة أساس أخرى قبل نهاية العام.
محمد العريان، رئيس كلية كوينز في جامعة “كامبريدج”، يقر بأن نتيجة امتناع مجلس الاحتياطي الفيدرالي عن إزالة دعم السياسة النقدية حتى فوات الأوان قد وضعنا “في أعماق ثاني وثالث أفضل الحلول”.
وبقدر ما قد تكون التداعيات الناجمة عن ذلك مضرة، إلا أنه لا توجد مسارات عمل لا تخلو من الآثار الجانبية السيئة.
أشارت دانييلا جابور، الأستاذة في جامعة غرب إنجلترا، إلى عصر البنوك المركزية في تسوجزوانج “حالة يكون فيها وجوب اتخاذ خطوة عيبا خطيرا وحاسما في كثير من الأحيان”. لقد ترك المزيج السام من التضخم المستمر وتباطؤ النمو المسؤولين في مواجهة موقف شائع يتعرض له لاعبو الشطرنج بسبب حظهم– عندما يصبحون عالقين وليس أمامهم سوى القيام بتحركات سيئة في اللعبة. ومع أن التضخم في الولايات المتحدة يبدو باقيا بشكل واضح، فإن زيادة تكاليف الاقتراض هي على ما يبدو الخيار الأقل سوءا.