التخطي إلى المحتوى


كتب منير الربيع في “الجريدة” الكويتية:

انشغل اللبنانيون بلقاء وليد جنبلاط وفد “حزب الله”. تحليلات وتساؤلات كبرى تدور في الكواليس اللبنانية حول الغاية من هذه الخطوة، لا سيما أنها تبعت زيارة أجراها نجله تيمور للبطريرك الماروني بشارة الراعي.

في مسار واضح للتوازن الذي يحاول جنبلاط إرساءه في مواقفه وعلى الساحة الداخلية، تأتي هذه الحركة على مسافة أسبوعين من دخول لبنان في الفترة الدستورية لانتخاب رئيس جديد، وهو الطبق الرئيس على طاولة البحث بين الطرفين.

واستدعى اللقاء الكثير من التكهنات، فبعضهم انتقد جنبلاط بوصفه يقوم بانقلاب، والآخر بدا متفهماً لخطوته لأنها ستكون ذات بعد تأسيسي للمرحلة المقبلة، خصوصاً من خلال السعي لإبرام تسوية تجنّب الفراغ ولعدم تكرار تجربة ميشال عون أي سنتين من التعطيل إلى حين الوصول إلى الرئاسة.

ومضمون محادثاته مع الحزب يؤكد أن جنبلاط لم يتغير في مواقفه، إنما انطلق بمفاوضاته من موقع القوي الرابح في الانتخابات، وبالتالي الممثل الدرزي الأوحد على الساحة، كما أنه سيكون صاحب التأثير الأكبر في انتخاب الرئيس، لأن أصوات كتلته النيابية ستؤمن الفوز لأي من المرشحين.

عملياً، ووفق مصادر واسعة الاطلاع، فإن جنبلاط أراد فتح مسار سياسي جديد يحضّر من خلاله للذهاب إلى تسوية، وهو لا يفصل التطورات الخارجية عن الواقع الداخلي، وبالتالي ينظر إلى المتغيرات في المنطقة والإقليم، ويعمل على أساسها في محاولة لتجنيب لبنان الدخول في أي مسار تصعيدي، وهذا ما كان واضحاً فيه مع «حزب الله».

وبمعنى أوضح، يراقب جنبلاط تطورات الوضع في المنطقة، يجد أن هناك احتمالين؛ الأول هو تعثر مفاوضات الإتفاق النووي وبالتالي الذهاب إلى تصعيد كبير فيحاول تجنّب الصدام في لبنان، الاحتمال الآخر هو الذهاب إلى اتفاقات على صعيد النووي وعلى صعيد ترسيم الحدود، وبالتالي ستكون المرحلة محكومة بالوصول إلى توافق أو تسوية، لذلك قرر أن يكون المبادر لها لأنه يعتبر أن لبنان سيكون محكوماً بهذه التسوية.

وتكشف مصادر متابعة مضمون اللقاء بين جنبلاط ووفد الحزب، والذي يمكن اختصاره بثلاثة عناوين أساسية، استراتيجية عسكرية، وسياسية، واقتصادية. في الملف الاستراتيجي والعسكري سأل جنبلاط عن عملية اطلاق المسيرات باتجاه حقل كاريش، وتمنى ألا تكون رسالة إيرانية مرتبطة بمفاوضات فيينا حول الاتفاق النووي، فجاوبه وفد الحزب بأنها لمصلحة لبنانية فقط ولا علاقة للاتفاق النووي بها، فنصح جنبلاط بعدم الذهاب إلى حرب لأن الوضع في لبنان لا يحتمل، ولا يمكن أن يدفع فاتورة التطورات الإقليمية، معلناً أن الأميركيين يعملون للوصول إلى حلّ، لكن وفد الحزب لم يقتنع، معتبراً أن الأميركيين وعدوا قبل سنة بوصول الغاز المصري إلى لبنان وحتى الآن لم يصل.

وأكد وفد الحزب أنه في حال لم يتجاوب الإسرائيليون وأصروا على استخراج الغاز قبل بدء لبنان بالتنقيب، وفي ظل استمرار الحصار، فإن الحزب يفضل الموت في الحرب على أن يموت اللبنانيون ذلاً على أبواب الأفران.

وفي الموضوع السياسي، طرح جنبلاط الذهاب إلى البحث عن تسوية سياسية، تقضي بانتخاب رئيس توافقي، بدلاً من الإصرار على شخصية استفزازية أو محسوبة على أي طرف، وفي ذلك تبنى وجهة نظر البطريرك الماروني بشارة الراعي، واعتبر جنبلاط أنه لا بد من الاتفاق على رئيس وإنجاز الاستحقاق في موعده المحدد، لأن لبنان لا يحتمل الدخول في فراغ، فكان جواب الحزب أنه مستعد للتوافق.

أما في الموضوع الاقتصادي، فسأل جنبلاط وفد الحزب بوضوح عن موقفهم من الاتفاق مع صندوق النقد، ومن ضرورة تشكيل صندوق سيادي يحمي الثروة النفطية، وشدد على ضرورة اقرار خطة للكهرباء، لأنه لا يمكن ترك ملف النفط والكهرباء في يد جبران باسيل، واعتبر جنبلاط أن كلفة دعم باسيل من الحزب كانت قاسية على الجميع وعلى لبنان.

ووفق مصادر قريبة من جنبلاط فهو لم يغيّر في مواقفه، بل أعلنها بصراحة أمام «حزب الله» على قاعدة ضرورة الوصول إلى صيغة توافقية مع تحييد الملفات الخلافية. وهو ما أصر جنبلاط على التأكيد عليه من خلال إيفاد نجله تيمور إلى البطريرك الماروني بشارة الراعي، للتأكيد على الحفاظ على الثوابت والبحث عن قواسم مشتركة من شأنها أن تؤدي إلى توفير الظروف الملائمة لانتخاب رئيس للجمهورية، وينطلق جنبلاط في خطوته هذه من المفاوضات الدائرة بين مختلف القوى المختلفة في المنطقة. هو مسار فتح لبنانياً، ولا بد أن يكون له ما يلاقيه إقليمياً ودولياً، بينما أكد جنبلاط لوفد الحزب أنه حريص على سماع أجوبة الحزب وأمينه العام حسن نصر الله شخصياً على كل هذه التسؤالات والأفكار.