التخطي إلى المحتوى

سوبر ماركت في مدينة ميامي بولاية فلوريدا الأميركية (Getty)

بعد مفاوضات شاقة، وافق مجلس الشيوخ الأميركي، خلال عطلة نهاية الأسبوع، على التشريع المقترح من الرئيس الأميركي جوزيف بايدن وحزبه، والمعروف باسم “قانون خفض التضخم”، وتقدر تكلفته على الموازنة الأميركية بما يقرب من سبعمائة وخمسين مليار دولار.

ويصوت مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية، اليوم الجمعة، على التشريع، قبل أن يُرسل إلى بايدن لتوقيعه خلال الأسابيع القادمة، في محاولة لتقليل نسبة عدم الرضا عن أداء الرئيس الأميركي وحزبه، بسبب معدل التضخم المرتفع الذي يضرب البلاد، قبل الوصول إلى انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقرر إجراؤها في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم.

وعلى الرغم من الاسم الجميل، الذي يوحي بأنه سيساعد على إنقاذ الأميركيين، وربما البشرية، من ارتفاع فاتورة الطاقة والغذاء التي قضّت مضاجع الشعوب على مدار الأشهر الأخيرة، يدفع العديد من المحللين بضعف القانون، وابتعاده عن هدفه المعلن، بل ويذهب البعض أيضاً إلى أنه ربما يتسبب في مزيد من ارتفاع الأسعار، ومن ثم زيادة العوامل المسببة للفوضى الاقتصادية والاجتماعية في العالم.

يعود بنا التشريع الجديد إلى الفترة التي أعقبت وصول بايدن إلى البيت الأبيض، وما صاحبها من التوسع في الإنفاق الحكومي، وتقديم كميات ضخمة من الأموال للمواطنين لمساعدتهم في التغلب على فقد وظائفهم وخسائر شركاتهم، في أعقاب الإغلاق الكبير الذي تسبب فيه ظهور وانتشار وباء كوفيد – 19 في الأراضي الأميركية، خلال الربع الأول من عام 2020.

وفي حين كان الإنفاق ضرورياً وقتها للخروج من ركود ما بعد الإغلاق، لا نعرف بصورة محددة ما يمكن أن تسببه حزمة إنفاق جديدة بهذا الحجم من دعم إضافي للطلب، ومزيد من الضغوط التضخمية، بعد أن كاد البنك الفيدرالي يتنفس الصعداء لتوقعه أن يكون التضخم الأميركي قد وصل بالفعل إلى ذروته.

وبعد أن أوحى جيرومي باول، رئيس البنك، إلى الأسواق بإمكانية تخفيض وتيرة رفع معدلات الفائدة خلال الفترة المتبقية من العام الحالي، وأمل الكثيرون أن تبدأ رحلة التيسير، وتخفيض معدل الفائدة، في وقت مبكر من العام القادم، بدأ البعض يتخوف من توجه البنك الفيدرالي لمزيد من الرفع، تحسباً لارتفاع التضخم من جديد بسبب التشريع المقترح.

هكذا يتوقع البعض في أميركا. قانون يهدف لمحاربة التضخم، إلا أن الأداة التي يستخدمها في حربه لن تكون إلا ما يساهم بنسبة كبيرة في خلق وارتفاع التضخم، ومن ثم يلجأ البنك الفيدرالي لرفع الفائدة، فتبدأ دورة جديدة من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وخسارة سوق الأسهم والسندات، وتباطؤ معدلات الإنفاق الاستثماري، وربما تأكيد دخول الاقتصاد الأميركي في الركود الذي توقعه كثيرون منذ بداية العام.

وعلى الجانب الآخر من الكرة الأرضية، لن يكون الاقتصاد المصري، المتخم بالأزمات التي لا يتوقف الإعلان عن ملامحها يوماً بعد الآخر، بمعزل عن تلك التطورات الحادثة على بعد آلاف الأميال، بعد أن جعله أولو الأمر رهينة للقروض الخارجية، والاستثمارات الأجنبية، ومعدلات الفائدة العالمية.

سيتسبب أي رفع إضافي لمعدلات الفائدة الأميركية، بخلاف ما هو متوقع من رفع 1% قبل نهاية العام، في إضافة مانع جديد لعودة الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين بالجنيه المصري، وسيفرض على وزارة المالية دفع معدلات فائدة أعلى على الأذون والسندات التي تصدرها، بالعملة المحلية والأجنبية على حد سواء، وهو ما سيؤدي إلى زيادة عجز الموازنة، الذي قدرت الحكومة المصرية ارتفاعه بنسبة تقترب من خمسين بالمائة مقارنة بالعام الماضي، وذلك قبل إقرار قانون بايدن الجديد.

ومع عدم وجود مرونة في بنود الموازنة المصرية، التي تستحوذ خدمة الدين وحدها على أكثر من نصفها، لن تكون هناك إمكانية لتقليص الإنفاق إلا على ما يهم المواطن المصري، من تعليم وصحة وبحث علمي وإنفاق اجتماعي، وهي حالياً كنسب من الناتج المحلي الإجمالي أقل مما هو منصوص عليه في الدستور المصري في أحدث نسخه.

وكما حدث مع اللحظات الأولى لتمهيد البنك الفيدرالي لرفع الفائدة الأميركية، من انصراف الاستثمارات عن الأسواق الناشئة والنامية، وتعرض عملاتها، وتحديداً العملة المصرية، لضغوط كبيرة، مع تزايد صعوبات اقتراضها من الخارج، واستحالة طرح سندات جديدة خلال الفترة الحالية، يتوقع الكثيرون أن تستمر الأزمة مع قانون بايدن الجديد، وربما بصورة أكثر حدة، بعد أن طرقت الحكومة المصرية كل الأبواب المغلقة، وجمعت، وما زالت تحاول جمع، كل ما أمكن توفيره من تمويل خارجي، فتزداد الضغوط على العملة المصرية التي وصلت بالفعل الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، ويجرى بيع المزيد من الأصول المصرية المملوكة للدولة بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها الحقيقية.

استبشر البعض خيراً بالقيود التي فرضها البنك المركزي المصري على عمليات الاستيراد من الخارج اعتباراً من بداية العام الحالي، إلا أن الأرقام التي أعلنها البنك المركزي المصري مؤخراً أكدت استمرار تزايد الفجوة الدولارية التي يعانيها ميزان المدفوعات المصري، نتيجة لاستمرار العجز في الميزان التجاري، وفشل بنود الحساب الجاري الأخرى في سده.

وخلال الأيام الأخيرة، تناقلت بعض الصحف أنباء عن تفاوض بين مسؤولين مصريين وصينيين في سويسرا، من أجل تحويل قروض صينية، اقترب موعد استحقاقها، إلى استثمارات أجنبية مباشرة في بعض الشركات المملوكة للحكومة المصرية.

وقالت المصادر التي استعانت بها تلك الصحف أن المسؤولين المصريين عرضوا بيع مطارات وموانئ مصرية للصين، مقابل ما يستحق لهم من قروض خلال الفترة الحالية، في تكرار لحوادث مشابهة داخل القارة الأفريقية، وفي منطقة جنوب شرق آسيا.

تشير التطورات المتوقعة لتوجه البنك الفيدرالي لرفع معدلات الفائدة خلال الفترة القادمة إلى زيادة حدة أزمة الاقتصاد المصري، وهو ما يتطلب قرارات كبيرة وجريئة، من خارج الصندوق، إلا أن الحكومة المصرية ما زالت تفرح بأبراجٍ شيدتها بأموال مقترضة، وتقيم لها المهرجانات، وكأن أزمة الديون تلك تخص دولةٍ أخرى!