التخطي إلى المحتوى

انخفضت تكلفة شحن حاوية 40 قدما عبر محيطات العالم. والتضخم الرئيس في الولايات المتحدة آخذ في التراجع.
أخيرا كان هناك بعض الإشارات المقنعة إلى أن ارتفاع الأسعار في الأسواق، من النحاس إلى السيارات المستعملة، الذي شهدناه خلال العام الماضي ربما يكون قد أصبح خلفنا الآن. فهل حان الوقت للخروج والقول إن التضخم قد تمت هزيمته؟ ليس تماما.
مع ذلك، هذا لا يعني أن الانخفاضات في تكلفة شحن الحاويات والسلع لا تحمل أي أهمية. إنها تظهر لنا أن التجارة العالمية، البعيدة كل البعد عن كونها على فراش الموت، تتسم بالمرونة. هذه الدينامية ستساعد على خفض ضغوط الأسعار على جانب العرض.
لكن اختناقات فترة الجائحة، كما يوحي اسمها، لا مناص لها من التلاشي. في الوقت نفسه، لا تزال مخاطر جانب العرض الهائلة “والأقل احتمالا للتلاشي” الناجمة عن قطع روسيا تدفقات الغاز إلى أوروبا، أو حتى الحد منها، تشكل تهديدا.
لتكوين فكرة عن الدرجة التي تدفع بها أسعار الطاقة التضخم الرئيس ضع هذا في حسبانك. وفقا لبن برودبنت نائب محافظ بنك إنجلترا، من المرجح أن يكون تأثير الصدمة بين الأرباع الأولى من عامي 2021 والأرباع الأولى من 2023، في فواتير المرافق المنزلية أكبر خمس مرات مما كان عليه بين عامي 1974 و1976، أسوأ عامين في سبعينيات القرن الماضي التي اشتهرت بأزمة أسعار النفط.
لا نرغب في التقليل من أهمية الأخبار السارة. ففي الولايات المتحدة، الأقل تعرضا لتأثير حرب أوكرانيا، ربما يكون التضخم الرئيس قد بلغ ذروته. وبينما قد يستغرق وقتا أطول بقليل في أوروبا، إلا أن المستويات القياسية المرتفعة ستهدأ قريبا في أوروبا أيضا.
لكن نحذر من النظر إلى مستويات اليوم للتدليل على أن الاحتياطي الفيدرالي، والبنوك المركزية الأخرى، قد تكون على وشك التحول إلى استراتيجية أقل شدة بكثير، أو، كما يحسب بعض المستثمرين، ستخفض أسعار الفائدة في وقت مبكر من العام المقبل مع حدوث الركود.
ما يهم صانعي السياسات حقا ليس إلى أين يتجه التضخم، بل مدى سرعة انزلاقه نحو مستوى يرتاحون له.
رهاننا أن هذا المستوى يراوح بين 2 و3 في المائة. لكن هناك كثير مما يوحي بأن ضغوط الأسعار قد تظل حول مستوى 4 إلى 5 في المائة لبعض الوقت الآن.
احتمال التحول البطيء إلى 2 في المائة لا يتعلق فقط بالمخاطر المتمثلة في أسعار الطاقة، رغم أهميتها.
في حين أن صناع السياسات النقدية، بمن فيهم جاي باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي كانوا حريصين على تعليق فشلهم في تحديد التضخم على سلاسل التوريد والحرب في أوكرانيا، فإن هذا ليس العنصر الوحيد الذي دفع الأسعار إلى أعلى.
فكما أوضح ستيفن سيكيتي، من جامعة برانديز: “من الغريب أن مسؤولي البنوك المركزية يركزون بشكل كبير على التضخم من جانب العرض، في حين أن الطلب مكون كبير في الارتفاع، لا سيما في الولايات المتحدة”.
يتمثل جزء أساسي من قصة جانب الطلب في سخونة سوق العمل. أشارت تيفاني وايلدنج وأليسون بوكسر، الاقتصاديتان في شركة بيمكو، في مذكرة نشرت يوم الأربعاء، إلى أن تضخم الأجور في الولايات المتحدة توسع من قطاعات الخدمات ذات الأجور المنخفضة والمهارات المنخفضة إلى مجموعة من الصناعات والمهن ومستويات من المهارة. وفي غضون ذلك، انخفضت مستويات الإنتاجية.
وفقا لتقديراتهما، يبلغ تضخم تكلفة وحدة العمل 7 في المائة، مستوى أوحى تاريخيا بتضخم مؤشر الأسعار الاستهلاكية الأساسي نحو 4 في المائة. إذا كان باول يريد حقا تخفيض التضخم إلى مستوى يصل إلى 2 في المائة، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيضطر بشكل متزايد فيما يبدو إلى تدمير الوظائف.
ثم هناك عنصر التضخم الذاتي، حيث يؤدي وجوده ببساطة إلى إيجاد مزيد من هذه الأشياء.
تشير جوانا كونينجز، كبيرة الاقتصاديين في شركة آي إن جي، إلى أمثال مزارعي الألبان في المملكة المتحدة، الذين ربما أمضوا أعواما غير قادرين على رفع أسعارهم بسبب نفوذ المتاجر الكبرى، لكن من يمكنه الآن الإشارة إلى ارتفاع أسعار الطاقة والسلع والمطالبة بمزيد. تقول: “عندما تسهل الإشارة إلى التضخم، حين يكون من الواضح أن التكاليف ترتفع بشكل ظاهر للغاية، فإن ذلك يعطي فرصة أفضل لأي مورد. المنتجون قادرون على الإشارة إلى ارتفاع الأسعار، وبالتالي يطلبون مزيدا من عملائهم”.
لا يحتوي عالم الهوامش هذا على مساحة غير محدودة للمناورة. فقد ارتفعت أسعار المستهلك للسلع الأساسية مثل الغذاء والطاقة والمأوى بوتيرة جعلت كثيرا من الناس يواجهون أسوأ أزمة تكلفة معيشية في حياتهم. ستؤثر هذه الأزمة، وارتفاع أسعار فائدة البنوك المركزية، في الطلب. مع ذلك من المرجح أن يستغرق هذا الشجار بين المورد وتاجر التجزئة والمستهلك بعض الوقت قبل أن ينتهي. بينما يحدث ذلك، فإن التضخم المرتفع بشكل غير مريح سيكون أكثر صعوبة للتحول من قارب كبير عالق في قناة السويس.