التخطي إلى المحتوى

كتب سركيس نعوم في “النهار”: 

بدأت معركة رئاسة الجمهورية في لبنان قبل دخوله المهلة التي حدّدها الدستور لانتخاب رئيس جديد وهي آخر شهرين قبل انتهاء ولاية شاغلها. لا يعني ذلك طبعاً أنها بدأت حديثاً، إذ أنها كانت ومنذ تولّي الرئيس ميشال عون مقاليدها عام 2016 في ذهنه كما في ذهن “تياره الوطني الحر” ورئيسه وصهره في آن الوزير جبران باسيل. عنى ذلك في حينه كما يعني الآن أن عون خطّط دخوله القصر الرئاسي في بعبدا للبقاء فيه وإذا لم تسعفه في ذلك الصحة والسن المتقدمة فإن خلفه معروف وهو الإبن الذي لم يعطه إياه الله عزّ وجلّ، لكن عوّضه عنه في رأيه بزوج ابنته الصغرى النائب جبران باسيل. وهو أي عون بنى خططه على سبب أساسي متين هو حلفه الراسخ مع “حزب الله” الذي أوصله الى الرئاسة وإن بعد سنتين ونصف من فراغ فيها تسبّب به فشل غريمه المسيحي رئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع، إذ عجز مع حلفائه عن توفير نصاب جلسة الإنتخاب كما عن تأمين الفوز بالرئاسة الأولى. كما بناها على سبب آخر هو معرفته أن خطة هذا “الحزب” تختلف عن مخططات الأحزاب في لبنان من زمان. فهو مسلّح حتى العظم ويحظى بتأييد “شعبه” أو بيئته الشيعية كما يسميها ويؤمن بعقيدة دينية – سياسية تتجاوز لبنان ولكن بعد السيطرة عليه أو الإمساك به بوسيلة ديموقراطية لكن “معزّزة” بجيش يتجاوز عديده مئة ألف مقاتل على حد قول أمينه العام، وخاض معارك قاسية وشرسة ضد إسرائيل في لبنان ولمصلحة حليفته إيران في المنطقة وسوريا والعراق واليمن، فضلاً عن قضية فلسطين التي صارت ومن زمان الغطاء القومي العربي لأي حزب يؤمن بقضية فلسطين ويستخدمها في الوقت نفسه لتحقيق أهدافه المحلية والأهداف الأقليمية لراعيته وحليفته بل مؤسّسته إيران الإسلامية. يعني ذلك أن دوره السياسي – الأمني – العسكري في لبنان على الأقل رغم أنه تجاوزه الى محيطه الذي أسّسته سوريا الأسد من زمان بالتعاون مع إيران الإسلامية سيستمر وسيتصاعد وستتصاعد قوته ومن شأن ذلك إبقاء “العونية السياسية” في السلطة برجال منها تثق بهم ويثق بهم مؤسّسها “الجنرال” عون وأبرزهم الآن النائب باسيل. وقد عبّر المؤسّس قبل نحو أسبوعين عن ثقته بالإستمرار في السلطة وممارسة سياسته الرئاسية في قصر بعبدا في أثناء استقباله وفداً من نقابة المحاسبين اللبنانيين، إذ قال لهم مطمئناً أن رجلاً مثله وبقوّته سيحل مكانه في قصر بعبدا بعد الإنتهاء القريب لولايته.

 

هل ينجح عون في ترجمة أمنياته السياسية والرئاسية الى واقع قبل إنتهاء ولايته أو حتى بعدها؟ المؤشرات المتوافرة لا توحي بنجاحه لأسباب عدة أبرزها ثلاثة. الأول عدم نجاح حليفه “حزب الله” الذي أوصله الى الرئاسة على غالبية في الإنتخابات النيابية الأخيرة. من شأن ذلك دفعه الى البحث عن رئيس غير معادٍ له وغير حليف لأعدائه داخلياً وخارجياً وهؤلاء موجودون. إلا أن ذلك لا يعني أن وضعه مشابه لوضع أعدائه. فهو نجح في تأمين غالبية مقلقة أي 65 نائباً أبقوا نبيه بري رئيساً لمجلس النواب وجاؤوا بلياس بوصعب نائباً له. هذا أمرٌ يمكن أن يتكرر رغم حاجته الى وقت طويل على الأرجح لأن أعداءه يشكلون أكثرية مطلقة تراوح بين 65 و67 نائباً. لكن ذلك سيكون بلا فائدة، إذ أن هؤلاء منقسمون بحدة ولا يبدو أن أحداً يقدر على جمعهم على الأقل حتى الآن، كما لأن الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط جعل من نوابه الثمانية بيضة القبان عندما أعاد الحرارة الى سلك التواصل مع “حزب الله”، وعندما أكد عدم اصطفافه مع مجموعة 14 آذار المشرذمة رغم توجيهه رسالة الى البطريرك الماروني الراعي تفيد أنه لا يزال متمسكاً بمصالحة الجبل، وبإيصال رئيس لبناني قادر على الوصل والتواصل والحوار مع كل الأطراف مثل المرحوم الراحل الرئيس الياس سركيس.

 

الى ذلك فإن المعلومات الدقيقة التي يمتلكها متابعون لبنانيون من قرب لـ”حزب الله” وحليفته إيران الإسلامية يقولون أنه لم يختر بعد مرشحاً للرئاسة الأولى وهو لن يعد النائب السابق سليمان فرنجية بدعم وصوله الى قصر بعبدا. ولم يقل لباسيل: “لا رئاسة لك هذه الدورة”. بل دعا الإثنين الى اجتماع مع أمينه العام السيد حسن نصرالله لأول مرة قبل أشهر قليلة وقال لهما: “تفاهما مع بعضكما” وقال لكل منهما لاحقاً على الأرجح: “إذهب يا جبران عند سليمان وتفاهم معه”. وقال لسليمان الكلام نفسه. كان جواب باسيل: “أنا لا أذهب عن رئيس…”. وقيل لفرنجية لاحقاً ومن “الحزب”: “اجتمع بباسيل وتفاهم معه”. فقال: “أفعل ذلك بعد أن يلتزم بتأييد إنتخابي رئيساً للجمهورية”. يعني ذلك أن “حزب الله” لم يلتزم أي من حليفيه حتى الآن على الأقل. لكن إلتزام باسيل وفرنجية بعدم تبادل الهجمات الإعلامية والسياسية العلنية ربما يرجّح إلتزام كل منهما الهدوء لمعرفتهما أن أياً منهما لا يمكن أن يتربّع على سدة رئاسة الجمهورية من دون تأييد “الحزب”. لكن هل تأييد سوريا بشار الأسد ضروري لذلك أيضاً؟