التخطي إلى المحتوى

حينما أعدنا اكتشاف فيلم Grease، كمراهقين في الردح الأخير من سنوات الحرب اللبنانية وغالباً الأشقاء والشقيقات الأصغر لشبان وشابات من مواليد الستينات، كان الفيلم قد مضى على إنتاجه وتكريسه قنبلة الأفلام الغنائية-الاستعراضية، نحو عقد من الزمن أو أكثر قليلاً، وكان لا يزال يظهر في التلفزيون كل فترة.

لم نكن نفتقر إلى نجوم سيكسي يغنون ويرقصون في سياقات سيناريوهات واحتمالات مفعمة بالإثارة والمآزق والأحلام. في السينما، وفي بدايات فورة الفيديو كليب. كنا جيل باتريك سوايزي و”رقصه البذيء”، وسامانثا فوكس وصورها بمايوهات بألوان العلم الأميركي في الروزنامات والملصقات الصغيرة التي كان أصدقاؤنا الصبيان يزينون بها حاملات أوراقهم وشنطهم المدرسية. كانت مادونا لا تزال، في شاشاتنا، ترتمي فوق أذرع شبان أنيقين مُتغنّية بأنها “فتاة مادية”. وكايلي مينوغ تغني في مسجلاتنا الصغيرة وقد رأيناها، مثلنا، مراهقة تواجه يوميات عائلية ومدرسية وعاطفية في مسلسل “الجيران”، فبدت ابنة جيراننا جميعاً، ولو في قارة أخرى بعيدة، لكن قريبة بالشاشة المنزلية وعالمية الهرمونات الذاهبة إلى نضوجها. وكنا لا نملّ، حينما ننعم بالكهرباء، من متابعة إعادات ومواسم مسلسل Fame في “تلفزيون لبنان”، حيث مغامرات طلاب وطالبات مدرسة فنون. نتخيّل مدرسة للرقص والغناء والتمثيل… فقط! الفكرة وحدها كفيلة بدغدغة أحلام يقظة وسبات، بوضعها في مقارنة ظالمة مع مدارسنا. ومع ذلك، هي حقيقية، موجود مثلها في نيويورك، ومثل هؤلاء الفتيان والفتيات من يتقافزون ويصدحون ويغرمون ويُخذلون وينجحون، الآن وهنا (آنذاك وهناك)، في مدينة برودواي. هكذا، أمسى الشرود الحلميّ معهم ألذّ، بكل هذا القرب من الواقع والبُعد منه.

ولما شاهدنا Grease، لم يبدُ لنا متقادماً، رغم السنوات العشر على إصداره، بل وقصته التي تدور أحداثها في أواخر الخمسينات في ضاحية أميركية، على وقع الروك أن رول، والسيارات المستطيلة فاقعة الألوان، والسترات الجلدية علامة “العصابة” الشبابية المتمردة الجذابة. لعله كان النسخة الوردية، مثل سياراته وتنانير فتياته، من عالم الحرب والمليشيات الذي كنا نعيش فيه، ويبرعم فيه شبابنا، رغماً عنّا وعنهم. قدّم لنا احتمالات الحب والمغامرة، الخيبة وآلام المرحلة العمرية المبرحة، في أجواء غنائية تزغلل العيون وترقّص الحجر.

مِنّا من وجدت نفسها في “ساندي”، الفتاة العاقلة المهذبة. فتمنّت حظّها في شقلبة مسار ظنّت أنها لن تحيد عنه، من دون التخلي عن رومانسية ذوّابة في “ليالي الصيف” (كيف نصنع لأنفسنا صيفاً مثل صيفها على الشاطئ؟)، ثم “تكريس الذات للحبيب بلا أمل”، على ما تقول أغنيتاها الضاربتان لسنوات. لكن الأمل، كل الأمل، في الصورة التي تختتم بها الفيلم: البنطلون الجلدي الأسود الضيق، سترة الجلد، سيجارة تحدٍّ وإن لم تُحسن تدخينها، حذاء أحمر بكعب عالٍ، وحمرة شفاه تتجاسر على كل شيء، العائلة والمدرسة وحتى الأصدقاء الجدد و…”أنت الذي أريده!”.

ومنّا أيضاً من رأى انعكاس صورته في “داني”، الأزعر الذي يخفي قلباً رقيقاً، لكنه يصدّر بدلاً منه موهبته الخارقة في الرقص والغناء، وكذلك قيادة “القطيع”.

الفارق الجيليّ بيننا وبين الفيلم لم يقف عائقاً أمام المتعة والانفلات بالتخيلات… هل هي سِمة الكلاسيكيات الخالدة لكل زمان ومكان، في سينما الاستعراض والمراهقة معاً؟ أم أن تشابُه أجواء “العصابات”، عصابات أميركا الخمسينات وعصابات الحرب اللبنانية في الثمانينات، بدّد الحواجز، ومدّنا بالنهاية السعيدة التي لم نجدها في الواقع؟ هل هي “المدرسة” كعالم ننتمي إليه، مثلنا مثل “ساندي” و”داني”، وفيه الاحتكاك الأول بالسلطة والغرام والصداقة والخذلان؟ أم أنه ذاك الشيء المبهر الجيّاش الذي يحدث في كوكب آخر، شعرنا أننا نعرفه أكثر من نصف بيروت الشرقية، واسمه “أميركا”؟

اليوم، بعد إعلان وفاة نجمة الفيلم، البريطانية-الأسترالية أوليفيا نيوتن جون، نعيد قراءة تيمات الفيلم من زاوية الـGreaser (الشّحم أو المشحّمين)، الثقافة الفرعية لجماعات شبابية انتمت في ذلك الزمن إلى الطبقة العاملة، لا سيما من أبناء المهاجرين الإيطاليين واليونانيين والجنوب أميركيين. هم الذين أعادوا امتلاك وتصدير ملابس طبقتهم، ولغتها وموسيقاها وعنفها، أي كلّ ما اكتنفته كلمة “الشّحم” من تحقير لآبائهم ذوي “البشرة الزيتونية”، كموضة شبابية وتمرّد ورغبات متفجّرة. سباقات السيارات القديمة المستصلحة لتسير بسرعة جنونية، والدراجات النارية الزاعقة في الشوارع، القتال والشجار وغلبة الأقوى. الرجولة الفتوة، والأنوثة المتجرّئة بالشغب، ولو على شيء من التبعية للذكورة بمعايير الحداثة. الإكتشافات الجنسية (مرادفة المراهقة أيضاً) المحفوفة بالكثير من النميمة والإثارة، والقسوة أحياناً… وفي الخلفية نزعة الخمسينات الاستهلاكية الصاعدة. قراءة تضيف طبقة فوق طبقة ذاكرتنا المحلية، وتزيد خطوط التقاطُع. حتى خطوط الافتراق تمتلك القدرة على المزيد من النبش في أرشيف نموّ مراهقي الثمانينات.

وبعد.. نقرأ عن هذا كله اليوم، ونتحسس تحولات التلقّي.. هل كانت “ساندي”، بعد تحولها إلى فتاة “غريس”، لتُعتبر أنها تحررت من تربيتها كابنة طبقة وسطى من أجل أن تكون مَن تريد ومَع حبيبها “داني”؟ أم أنها أذعنت وخضعت لرغبة الذَّكَر وخياله؟ وهو، ألم يتغير من أجلها حين فاز بجائزة مدرسية بعدما كان تلميذاً فاشلاً؟ كم تبدو هادمةً للملذّات مثل هذه الأدوات التفكيكية المعاصرة حينما تُسحَب عنوة على عصر غير عصرها وثقافة غير ثقافتها. لعل هذا المبضع لم يُغرس عميقاً في فيلم Grease بالذات، ربما لأنه ظل محمياً باحتفالية بهجته وأدرينالينه، لكنه أُعمِل في أفلام وأغنيات وأعمال تشكيلية كلاسيكية كثيرة، اضطُّهِد أصحابها بمفعول رجعي… فأثبَتَ سماجة سَفَر الأفكار في الزمن.