التخطي إلى المحتوى

لطالما أخافونا، عندما كنّا صغاراً، بالعيّاطة. أخبرتني عمتي أن لا أسمع ما تقول، أن لا أردّ إذا ما نادتني وأن لا أذهب معها. عشت فترة طويلة في خوف من سماع أي صوت ينطق بإسمي، ومخافة الساحرات الشريرات اللواتي يوقعن بالأطفال كما في قصّة هانسل وغريتل.

للعيّاطة اسم آخر، أو أسماء حسبما اكتشفت: الندّاهة، ليليث، السلعوة، الجدّة الكبرى وغيرها.. والأهم أنّها اللاشعور.

في المرة الأخيرة، عندما نادتني، أجبتها، فهي كالخارجة من فم التمساح، أو كخروج يونس من بطن الحوت، كانت تخرج من أعماقي وأنا أستمع إليها. أشارت إلى قبر امرأة مجهولة، ترقد بين نساء أخريات تقع مراقدهن في مصطبة أعلى من القبور الأخرى. أزحتُ الغبار عن رخام قبرها، كانت عمتي نفسها وهي تناديني بصوتها الآخر، بصوتها الأجش، لتخبرني أن ثمّة أشياء مشتركة بيننا عليّ البحث عنها.

أقرأ كتاب إيمان مرسال، كأنّني أقرأ حلم البارحة. أتأمل في الصفحات صوراً لنساء غير مرئيات، صوراً لقبورهن المهمّشة، وأقرأ الصفحة الأخيرة فتنهمر الدموع من عينيّ. تقول إيمان أن عنايات الزيات تعرف جيّدًا الطريق الذي يوصلها بالأخريات، كأنّها تعرف الطريق إليّ أو أنّني ذهبت إليها سابقًا. أعود بذاكرتي إلى كتب إيمان الثلاثة التي قرأتها… “عن الأمومة وأشباحها”، وأرى وجه أمي متخفيًّا خلف الحجاب في لعبة الحضور والغياب. أرى البيوت التي سكنتها، البيوت التي رحلت عنها وتلك التي زرتها، في كتابها “حتى أتخلّى عن فكرة البيوت”. أعيد قراءته مرتين على غير عادتي مع زياراتي للكتب، فقد أردت أن أتأكد من كلمات ما زالت محفورة في داخلي. هل هي من كتبتها؟ أم أن عقلي اخترعها. أقرأ وأقرأ، فلا أجدها، وأعرف حينها أنني أستكمل نصّاً من نصوصها، أستكمل فكرة التخلّي.

أفكر في كتابة نصّ عن اللامَرئي، عما تخلقه السرديّات التاريخيّة العنيفة والمنقوصة من تشوّهات معرفيّة بالهويّة، فتطلّ عنايات وهي تجزّ شعرها، مجهزةً وسادتها والحبوب الملوّنة للنوم. لم يسجل الأرشيف هذا، لم يسجّل اغترابها في منزل أهلها، اغترابها عن ذاتها وطفلها. تقوم الكاتبة الإيطاليّة سيبيلا أليرامو بمحاولة إنتحار مشابهة، وهي تقبّل طفلها، يمتزج الوجهان في رأسي، تنجو الثانية بينما تمضي الأولى في نومها. هل نواجه فرادى المصير عينه؟ وهل يسجل الأرشيف هذا؟ هو ما سمّته إيمان، عدم الأرشيف، أن تستبعد من السجلات، الشخصيّات غير المشهورة من نساء وغيرهمن، وإن كنّ صاحبات موهبة، وكأنّهنّ لم يكنّ…

يقصّ أنيس منصور قصصًا بديلة للأرشفة. يختلق، كعادة الكتّاب والشعراء، حكايات ليحشو بها مخيّلة قرائه عن أحداث لم تحصل، بينه وبين عنايات، مقولات تفضي للقول أنّه هو من اكتشفها، وتفضي به إلى كشف إدعاءاته.

لم تُكتشف عنايات لفرط حساسيتها. الإفراط هو ما توصم به النساء، الإفراط في الكلام، في الحب، في الرغبة، حتى الإفراط في شاعريّة موتهن، وكأنها محاولاتهن الأخيرة لرفض زيف عالمهن. أما هم، مَن يطلقون هذه التوصيفات، فمفرطون في العقلانيّة التي تجعلهم لا يبصرون أبعد من أطراف أنوفهم، لا يبصرون تكرار المآسي. فأن تموت امرأة، أن تُقتل امرأة، أن تنتحر امرأة.. فهذا ليس سوى خبر عاديّ تُذيَّل به أطراف الصفحات. أن تُحرم امرأة من طفلها، أن تُجبر امرأة على المكوث في المنزل، أن تُمنع امرأة من الخروج خارج شرنقة العبوديّة، ليس سوى حدثٍ عابرٍ يمكن لأي عظيم شأن أن يقفز بعينيه فوقه ويستكمل قراءاته.

“في أثر عنايات الزيّات”… تلعب إيمان لعبة الوجود. فهي توجِد قرينتها المجهولة، فنشاهد عنايات في عيون نادية لطفي، في عيون عائلتها، في عيون من عرفنها، وعندما تنهي كتابها نتساءل: هل هذا كل شيء؟ نفرد صفحات الكتاب، ما بين سطر وآخر، نجد سطراً جديداً تخطّه حكايات نساء أخريات لاقين ويلاقين المصير نفسه.