التخطي إلى المحتوى

ما بين الريحاني وأبو دبس، سيرة مكان وسيرة زمن وسيرة ثقافة، ورحلة وهجرة وبلد تتشعب ثقافاته وناسه وروافده. فقبل أن نعرف بلدة الفريكة، قبل أن نعبُر فيها، كنا نسمع بأن الريحاني من “الفريكة”، التي قال عنها “وادي الفريكة مهيبٌ وجميلٌ غير أنّ هَيبته أكثرُ مِن جمالِه، وهو عميق ملتوٍ يَنحدِر مِن قرية صغيرة لِيغسِلَ رجليْه في نهر الكَلب”، ولذلك أُطلق عليه لقب “فيلسوف الفريكة” على نحو ما هو ميخائيل نعيمة “ناسك الشخروب”، ومارون عبود “أديب عين كفاع”.


(متحف الريحاني)

والريحاني الذي يعود أصله أو نسَبه إلى بلدة “بجة” في جبيل بلبنان، كان ميلاده في 1876، لأب من “الشاوية” كان يعمل في تجارة الحرير هو فارس الريحاني. نشأ أمين وسط خمسة من أخوته الأصغر سناً، هم: سعدي، أسعد، يوسف، أدال، ألبرت، وتميز عنهم في صغره بـ”الشقاوة المفرطة والتمرد على أوامر والديه وعدم التقيّد بالصلوات الكنسية”. ومرت الأيام وكبر أمين، وكبرت معه أحلامه إلى أن بلغ الثانية عشرة من العمر العام 1888 الذي مثّل منعطفاً في حياته. سافر مع عمه عبده الريحاني، ومعلمه نعوم مكرزل، إلى نيويورك. وبعد عام لحق بهم والده فارس. وفيما واصل الأب والعم، العمل في التجارة في حي مانهاتن، انجذب أمين للتمثيل فالتحق بفرقة تمثيل أميركية وراح يطوف معها مختلف الولايات. وبعدما أغلقت تلك الفرقة مسرحها في 1897، قرر أن يلتحق بمعهد الحقوق في جامعة نيويورك، لكنه لم ينهِ فيها دراسته لأنه بعد عام واحد ساءت صحته، فأشار عليه الطبيب بالرجوع إلى لبنان. عاد أمين إلى لبنان في صيف 1898، وعمل مدرساً للغة الانكليزية في مدرسة مار يوسف بقرنة شهوان، وفي الوقت نفسه راح يحسن لغته العربية حتى غدا قادراً على كتابة المقالات المهاجمة للدولة العثمانية من خلال جريدة “الهدى”.

وفي هذه الفترة من حياته قرأ الكثير من الشعر العربي، لا سيما شعر أبي العلاء المعري الذي تأثر كثيراً بفلسفته حول الوجود والخلق والنفس، بدليل أنه سارع إلى ترجمة كتاب “اللزوميات” للمعري… وسرعان ما عاد وسافر إلى أميركا. وفي العام 1915 التقى الريحاني، بيرثا كيس، وهي فنانة أميركية أصبحت زوجته في ما بعد، وتعرف أمين من خلالها على مدى تأثير وقوة الفن الأوروبي لفنانين مثل هنري ماتيس وبابلو بيكاسو وبول سيزان، لتتكرر بعد ذلك رحلاته جيئة وذهاباً ما بين بلاد الشام والولايات المتحدة حتى العام 1934 حينما أبعده الفرنسيون عن لبنان بسبب مطالبته باستقلال وطنه الأم وتحريضه اللبنانيين ضد الانتداب الفرنسي.

سيرة الريحاني وتنقلاته وأفكاره، هي سيرة الثقافة اللبنانية وعوالمها وتعددها وعالميتها، ومن أهم ما أثمرته جولته في أقطار شبه الجزيرة العربية، عدا تعرفه على حكّامها وظروفها من كثب، هو كتابه “ملوك العرب” الصادر في جزءين العام 1924 والذي قال في مقدمته: “كنت في الثانية عشرة من عمري عندما سافرت للمرة الأولى إلى الولايات المتحدة، فلم أكن أعرف غير اليسير من اللغتين العربية والفرنسية، وما كان في ذهني من العرب وأخبارهم غير ما كانت تُسمعه الأمهات في لبنان صغارهن. هس، جا البدوي! والبدوي والأعرابي واحد إذا رامت الأم “بعبعًا” تخوف به أولادها. هجرتُ وطني وفي صدري الخوف ممن أتكلم لغتهم، والبغض لمن في عروقي شيء من دمهم. والبغض والخوف توأما الجهل”.

والريحاني العربي العالمي، توفي في 13 أيلول/سبتمبر 1940، في مستشفى ببلدة الفريكة بُعيد تعرضه لحادث سقوط من دراجة اعتاد أن يقودها على الطرقات الجبلية، ما أدى إلى كسور في جمجمته. غير أن التخليد الأكبر له، جاء من خلال إقامة متحف لمتعلقاته وآثاره وصوره في مسقط رأسه، على يد شقيقه الأصغر ألبرت الريحاني، علماً بأن هذا المتحف افتُتح في 1953، لكن تم تجديده والإضافة إليه في 1990.

أما منير أبو دبس، فتوفي في باريس عن 84 عاماً، وهو ولد في الفريكة، وتربّى في كنف والدته وسط غياب دائم للوالد المهاجر في الأرجنتين ومن عائلة أيضاً تهتم بصناعة الحرير. بداية، سلك طريق الرسم، من دون أن يعرف أنّه سيختار المسرح في الخاتمة. حين لاحظ أستاذه في مدرسة “الحكمة” تميّزه في الرسم، وفّر له منحة للالتحاق بـ”الأكاديمية اللبنانية”. في العام 1952، سافر إلى باريس حيث التحق بالمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة، وتابع دروس المسرح والأدب الإغريقي في السوربون، ودروس العزف على الكمنجة. كذلك انضم إلى المحترف المسرحي الذي كان يديره روجيه غايّار (1893 ــــ 1970). ثمّ انجذب نحو المسرح اليوناني الذي مثّل له “عودة إلى الجذور” كما يراها، “لأنّ مصدر الأساطير اليونانية ليس بعيداً من الميثولوجيا الفينيقية” كما يؤكّد.

من هذا التعدّد الثقافي والخليط بين الرسم والموسيقى والمسرح، انطلق أبو دبس، تلميذ عاصي الرحباني. أنشأ في العام 1960 مدرسة “المسرح الحديث” في بيروت، وكان لديه وقتذاك هدف واضح، وهو خلق فرقة مسرحية تحقق وتكمل بعض أفكار المسرح الحديث في العالم. وقدّم، على التوالي، بالاتفاق مع مهرجانات بعلبك، مسرحيات عديدة. لكن هذا النوع من المسرحيات الذي قُدّم في “الهواء الطلق”، أو في المسارح الكبيرة، صار بالنسبة إليه، بعد انفصاله عن مهرجانات بعلبك العام 1970، شيئاً غريباً، فاتجه نحو السحر والغرابة في تجاربه الجديدة.
قرر أبو دبس الباريسي البيروتي والمؤسّس المسرحي، في العام 1999، تنظيم مهرجان صيفي في الفريكة في بيت الحرير، وما لبث أن تحول هذا المهرجان الى تقليدٍ. نقل أبو دبس مدرسة “المسرح الحديث” من بيروت إلى “الفريكة”، من المدينة الى “الريف”، وأشار إلى “أن المهرجان جاء ليكمل المدرسة”، أما الهدف منه فهو “جمع المثقفين في لبنان الذين يحتاجون إلى مكان يلتقون فيه”. وكان أبو دبس يعتقد أن أخطر ما يهدد المجتمع اللبناني هو “ثقافة التسلية” والخواء الذي يعشش في وجدان الشباب اللبنان. كان أبو دبس في نشاطه المسرحي وشموعه، يسعى الى تحويل الثقافة الى طقس وعبق وسحر وروحانية شرقية، ويسعى الى تحويل المكان إلى شيء من التعبّد، وليس مجرد فرجة عابرة. ذاع صيته في هذا المجال، سطع نجمه باعتباره قدّم المسرح الصافي، وركّز على الممثل، لا النص… رحل أبو دبس وبقي مسرحه مشروعاً، يطمح بعض الشبان الى تفعيله كمكان للثقافة والفنون في جيل لبنان، وهذا انطلاقاً من ضرورة أن تكون الثقافة خارج المركزية المدينية.

أن نتحدث عن متحف الريحاني أو مسرح أبو دبس، فكأننا نتحدث عن لبنان الزائل أو لبنان النوستالجيا… والنشاط الثقافي في مثل الأمكنة، فيه شيء من المقاومة ومعاندة البقاء والمواجهة مع الخراب.

(*) بعد أعمال تحضيرية ونقاشات استمرت سنتين، تقدمت جمعية بيت الفريكة للفنون والثقافة بعلم وخبر أمام وزارة الداخلية. وسيتم وضع محترف الراحل منير أبو دبس في تصرف الفنانين والمثقفين ضمن رؤية الجمعية، التي سيعلن عنها في وقت لاحق. وكان أول نشاط ثقافي للجمعية في 7 آب الجاري..