التخطي إلى المحتوى

“عند صراع الأمم، احفظ رأسك”… هي المقولة التي طالما يردّدها رئيس الحزب “التقدّمي الاشتراكي” وليد جنبلاط عندما تحتدم المواجهات الإقليمية والدولية، أو حينما يطرأ زمن التسويات والاتفاقات، إذ في الحالتين، الدول الضعيفة التي تعيش في ظلّ المحاور تخسر، وتكون التنازلات على حسابها، وهذا ينسحب على لبنان بشكل كلّيّ، مع تزاحم النفوذ الإقليمي والدولي فيه، والتواجد الإيراني المباشر من خلال “حزب الله”.

 

“الوسط”، أو “بيضة القبان”، هو التموضع الطبيعي الذي اتخذه جنبلاط منذ العام 2009، والمعروف عنه اتباعه نهج الحوار والتسويات بدل الصدامات، ولا ينفكّ يذكّر عند كلّ محطّة بالتصعيد الذي أنتج 7 أيار، ومن ثمّ اتفاق الدوحة الذي أفقد اتفاق الطائف روحيته، ما يدفعه لمحاولة إيجاد الجسور المشتركة بين الأطراف وتدوير الزوايا إلى جانب رفيقه، رئيس مجلس النواب نبيه برّي، تفادياً لسيناريوهات غير محسوبة تفرض على لبنان وقائع جديدة لن تكون في صالحه في ظلّ الوضع الإقليمي الحالي.

 

قد تكون الانتخابات النيابية فرضت خطاباً معيّناً حمل لهجة التحدّي والمواجهة، اعتمده جنبلاط كباقي الأطراف، لكنّ زعيم المختارة كان واضحاً في أنّ “النقاط الخلافية وضعت جانباً والبحث يقوم حول المشترك”، وهذا المشترك، يتطلّب الحوار والتسويات للخروج من الأزمات، لذلك، هو يقول: “إن إيران تُحاور الولايات المتحدة، والسعودية تُحاور إيران، والجميع يسعى للتسويات، فلماذا لا نتحاور”. ولا يتوقف هذا المبدأ على الخصوم، بل يطال الحلفاء أيضاً.

 

انطلاقاً مما ذُكر، وعلى ضوء التطورات الإقليمية المستجدة في فيينا، والاستحقاقات المصيرية المقبل عليها لبنان، والتطورات السياسية، تحرّك جنبلاط على ثلاثة خطوط، الأول، خط حارة حريك، فالتقى بوفد من “حزب الله” في كليمنصو، الثاني، خط الديمان، إذ أرسل وفداً برئاسة تيمور جنبلاط التقى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، أما الثالث، فكان على خط عين التينة، من خلال الوزير السابق غازي العريضي الذي اجتمع برئيس مجلس النواب نبيه بري.

 

لا شكّ أنّ نتيجة مفاوضات فيينا ستنعكس مباشرةً على لبنان، ففي حال حصل الاتفاق ستكون بيروت ضمن العواصم التي ستلفحها الصفقة بين واشنطن وطهران، أمّا وفي حال فشل الأطراف في التوصّل إلى صيغة اتفاق جديدة، فستكون بيروت ساحة تصعيد، ولهذا السبب تحرّك جنبلاط باتجاه “حزب الله”. أمّا وعلى صعيد الاستحقاق الرئاسي، فإنّ التوافق مطلوب والتسويات حتمية، والجميع سيلتحق بالمركب عاجلاً أم آجلاً، وهذا ما حصل في انتخابات 2016، حينما عُقدت الاتفاقات بين الأطراف كافةً.

 

 

كواليس اللقاء

لقاء كليمنصو بحث ملفّين أساسين، الاستحقاق الرئاسي، والوضع الاقتصادي المالي الحرج. رئاسياً، نقل جنبلاط وجهة نظره لوفد الحزب، ورؤيته لرئيس ليس استفزازياً، يحمل برنامجاً واضحاً لحلّ الأزمات، ولا يُعيد تكرار تجربة رئيس الجمهورية ميشال عون، ومن المعروف عنه عدم تأييده سياسة “الرئيس القوي” ووصول الأقطاب إلى بعبدا، لأنّ ذلك يخلق المواجهات لا الحلول. إلّا أنّ ما كان لافتاً جاء على لسان المعاون السياسي للأمين العام للحزب حسين خليل، الذي تمنى الوصول إلى مرحلة “نصل فيها إلى رئيس جمهورية يكون جزءاً من خطة إنقاذ هذا البلد”.

 

تمنّي خليل في حال صدق، فهو يؤشّر إلى نقطتين مهمتين، الأولى تقول إنّ الحزب لم يحسم موقفه بعد وقد لا يكون متشبّثاً بانتخاب سليمان فرنجية، والثانية إنّ الحزب منفتح على الحوار حول شخص رئيس الجمهورية ويأمل التوصل إلى اتفاق وليس فرضه، بعكس ما كان الحال عام 2014، حينما طرح اسم ميشال عون ورفض كلّ حلّ آخر طيلة سنتي فراغ، إلّا أنّ موقف الحزب تجاه الانتخابات قد يكون غير محسوم بعد، وهو بانتظار لون الدخان الذي سيتصاعد من فيينا.

 

أمّا بالنسبة للقاء الديمان، فقد جاء لتأكيد نقطتين ثابتتين بالنسبة إلى جنبلاط، الأولى تكريس العلاقة مع البطريركية على اعتبار أنها ضمن أساسيات علاقات المختارة، خصوصاً وأنها مرتبطة بالمصالحة التي يسكن الحفاظ عليها هاجس جنبلاط، وتأكيد على أنّ “الاختلاف لا يُفسد في الودّ قضية”، خصوصاً بعد التباينات التي ظهرت بين الطرفين على خلفية قضية المطران موسى الحاج والحياد. الثانية، تأكيد موقف جنبلاط الوسطي، خصوصاً بعد لقاء وفد “حزب الله”.

 

أمّا عن الزيارة الأخيرة إلى عين التينة، فهي تنطلق من ثابتة العلاقة بين جنبلاط بري والتنسيق المتواصل بينهما، ولا شكّ أنها وضعت رئيس المجلس في أجواء اللقاءات والمحادثات، لاسيّما مع وفد “حزب الله”.

 

لا يعني لقاء جنبلاط – “حزب الله” أنّ الأول بدّل موقعه الاستراتيجي أو عقد تحالفاً معه، فهو معروف بموقفه الذي يستمدّه من توجّهات ثورة الأرز و14 آذار، والمعارض لـ”حزب الله” وسلاحه في لبنان، وسياسات إيران في المنطقة، لكنّه يعلم أنّ هذه الملفات أكانت إقليمية أو دولية، لا يُمكن للبنانيين معالجتها، والحوار ضرورة للخروج من النفق. كما أنّه واظب منذ سنوات على تنظيم الخلاف مع الحزب لتفادي الصدام الدرزي – الشيعي.

 

من المبكر الحديث عن نتائج هذا اللقاء في انتظار اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي أكثر وبلورة المواقف مع كافة الأطراف، وليس من الضروري أن تؤدّي إلى نتائج إيجابية أساساً، إذ كان لجنبلاط تحركات ومبادرات وصلت إلى طرق مسدودة، ولكنّها لا شكّ تخرق الجدار وتخلق كوّة للانطلاق منها كقاعدة إلى حوارات أوسع وأعمق، وقد يكون لها أثرها على الانتخابات الرئاسية.