التخطي إلى المحتوى

انشغل الوسط السياسي بمواكبة الأجواء التي سادت لقاء المصارحة الذي عُقد بين قيادتي «حزب الله» و«الحزب التقدمي الاشتراكي» من موقع الاختلاف حول معظم القضايا الاستراتيجية، خصوصاً أنه الأول من نوعه منذ فترة طويلة بعد انقطاع بين الطرفين تخلله تبادل الحملات السياسية من العيار الثقيل وبلغت ذروتها إبان الاستعدادات لخوض الانتخابات النيابية التي جرت في 15 مايو (أيار) الماضي.

فاللقاء الذي عُقد بين رئيس «التقدمي» وليد جنبلاط والمعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل في حضور النائب وائل أبو فاعور والوزير السابق غازي العريضي الذي تولى التحضير له ومسؤول الارتباط والتنسيق في «حزب الله» وفيق صفا لم يكن محصوراً بملف الكهرباء وإنشاء صندوق سيادي لإدارة ثروات لبنان النفطية وبتوفير حلول بالحد الأدنى للهموم المعيشية التي يرزح تحت وطأتها السواد الأعظم من اللبنانيين فحسب، وإنما تجاوز هذه العناوين إلى مقاربة الاستحقاق الرئاسي والقضايا الشائكة التي لا تزال نقطة اختلاف بين الحزبين وصولاً إلى ما حصل منذ حوالي أسبوعين في بلدة السويداء السورية.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وثيقة الصلة بالأجواء التي سادت اللقاء بين الحزبين والذي يأتي في سياق إنهاء القطيعة وإعادة التواصل بأن جنبلاط تطرق إلى موضوعات أساسية من موقع الاختلاف وتتعلق بسلاح «حزب الله» والاستراتيجية الدفاعية وضرورة لبننة مزارع شبعا المحتلة بالطلب من النظام السوري إعداد وثيقة تسلّم إلى الأمم المتحدة يعترف فيها بلبنانية المزارع لإلحاقها بالقرار 425.

وكشفت المصادر المواكبة بأن اللقاء تطرّق إلى الأوضاع الدولية والإقليمية ذات الصلة بالوضع في لبنان ومنها علاقات «حزب الله» بالإقليم من زاوية تحالفه مع إيران، وقالت بأن لجوء البعض للتعامل مع هذا اللقاء وكأنه بداية لاستدارة جنبلاطية باتجاه محور الممانعة ليس في محله، وبالتالي من غير الجائز إصدار الأحكام على النيات من دون التريُّث لاستكشاف ما دار في اللقاء من تبادل للآراء من موقع الاختلاف وتنظيمه.

وأكدت بأن الاستحقاق الرئاسي حضر على طاولة اللقاء ولكن ليس من باب استعراض أسماء المرشحين لرئاسة الجمهورية، وإنما من زاوية عدم استعداد جنبلاط للسير بمرشح ينتمي إلى قوى «8 آذار» ومن خلالها إلى محور الممانعة، ولفتت إلى أن رئيس «التقدمي» يدعو لانتخاب رئيس لا يصنّف على خانة التحدي لهذا الطرف أو ذاك، وأن هناك ضرورة لإجراء مروحة واسعة من اللقاءات والمشاورات من أجل التفاهم على الرئيس الجديد من دون استثناء أي طرف من هذه المشاورات في إشارة واضحة إلى إشراك حزب «القوات اللبنانية» فيها وعدم استبعاده.

وتوقف جنبلاط أمام دعوة حسن نصر الله في خطابه الأخير إلى تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات «لأن هناك من يهدّد ويبشّر بفراغ رئاسي»، وسأل ما إذا كان بموقفه هذا يمهّد لاستحالة انتخاب الرئيس الجديد في موعده، ورد حسين خليل على تساؤلات جنبلاط بقوله إن الأمر بحاجة إلى التشاور بين الأطراف الرئيسية والتفكير سوياً برئيس يشكل نقطة للالتقاء بين اللبنانيين، خصوصاً في ظل الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على لبنان.

ونقلت المصادر عن خليل في معرض ردّه على تساؤلات جنبلاط حول دعوة نصر الله إلى تشكيل حكومة حقيقية قوله: إننا نسعى للاثنين، أي لتأليف حكومة جديدة وانتخاب الرئيس في موعده لأننا لا نريد الفراغ في أي من المؤسسات.

وعاد جنبلاط إلى التحذير، بحسب المصادر نفسها، من أن الفراغ في رئاسة الجمهورية لن يؤدي فقط إلى تمديد الأزمة وإنما سيمعن في تدمير ما تبقى من معالم للدولة وفي أخذ البلد إلى فراغ قاتل بدلاً من أن نتفاهم على رئيس لا يشكل استفزازاً لأحد ولديه القدرة على التوجّه إلى الدول العربية والمجتمع الدولي لرأب التصدّع الكارثي الذي أصاب علاقات لبنان بالخارج.

ونصح جنبلاط بعدم السماح بتمرير فترة زمنية للفراغ الرئاسي لأن البلد لا يحتمل إقحامه في مسلسل من الخضّات ليست محسوبة وترفع من منسوب انسداد الأفق السياسي أمام الانتقال بالبلد إلى مرحلة جديدة ليست محفوفة بالمخاطر، ورد خليل بأنه ليس لدى الحزب أي مشروع لملء الفراغ ويصر على انتخاب الرئيس في موعده «وإن كنا نتوقع في ظل المعطيات الراهنة ما لم تتبدّل بأن الأمور لن تكون سهلة وسلسة لانتخاب الرئيس».

وتجدر الإشارة إلى أن المسيّرات التي أطلقها «حزب الله» فوق حقل «كاريش» كانت حاضرة من زاوية أن جنبلاط سأل ما إذا كانت بمثابة رسالة إيرانية لتحسين شروط تفاوضها حول الملف النووي، وجاءه الجواب من خليل بأن إيران ليست في حاجة إلى مسيّرات لتحسين موقفها وهي لتحسين موقع لبنان في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية.

وهنا سأل جنبلاط، كما تقول المصادر المواكبة، هل يمكن أن نصل إلى اندلاع حرب جديدة، وكان رد خليل: إذا تمادت إسرائيل في حرمان لبنان من حقه في ثرواته البحرية فإنها يمكن أن تكون خشبة الخلاص، خصوصاً وأن كل الخيارات موضوعة على الطاولة، ورد جنبلاط بأن لبنان لا يحتمل الدخول في حرب جديدة خاصة في ظل الظروف الصعبة التي نمر فيها، وأنا أنصح وأدعو للتفاوض من جهة والقيام بتحرّك دولي وعربي للضغط على إسرائيل من جهة ثانية.

ولم تغب المواقف من التفاوض مع صندوق النقد الدولي عن المداولات في ضوء سؤال جنبلاط خليل عن موقف الحزب من التفاوض، وكان ردّه بأن هناك ضرورة لدرس الشروط الموضوعة من الصندوق والتعمّق فيها.

لكن جنبلاط عاد إلى التأكيد على ضرورة التفاوض مع صندوق النقد، شرط أن تنجز الحكومة ما هو مطلوب منها، محذّراً في نفس الوقت من انهيار المؤسسات من صحية وتربوية والتي كانت تشكل الصورة المضيئة للبنان في الخارج، مستشهداً بالتجربة العراقية المدمّرة التي أتت على كل ما لدى العراق من صروح ومعالم، داعياً إلى تضافر الجهود لتجنيب لبنان استنساخ هذه التجربة المدمّرة التي أعادت العراق إلى نقطة الصفر.

ولم يغب عن بال جنبلاط قبل انفضاض اللقاء الذي يُفترض أن يُستأنف لاحقاً، لأن للبحث صلة مع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي، طرح ما شهدته بلدة السويداء السورية من صدامات جاءت نتيجة تصدّي مجموعة من أبناء البلدة تنتمي إلى «رجال الكرامة» برئاسة الشيخ يحيى الحجّار لمجموعات محسوبة على النظام السوري وبعضها على تواصل مع «حزب الله» تتخذ من عاصمة الدروز في جبل العرب ممراً لتهريب كل الممنوعات إلى خارج سورية عبر بوابة بلدة درعا السورية الواقعة على الحدود السورية-الأردنية.

ودعا جنبلاط إلى تدخّل «حزب الله» لوضع حد لهذه الصدامات الدموية التي أدت إلى سقوط 17 قتيلاً، لئلا تنعكس توتراً بين الدروز و«حزب الله» في لبنان، ورأى بأن هناك ضرورة لتدارك الأمر لتفويت الفرصة على من يريد الإيقاع بينهما، لما للدروز في سورية من امتدادات عائلية في لبنان.

وأخيراً أوصى جنبلاط قيادة «حزب الله» بعدم الرضوخ مجدداً لابتزاز رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل، «خصوصاً وأنتم رأيتم إلى أين أوصلنا في لبنان؟».

قد يكون جنبلاط فاجأ البعض ولم يفاجئ البعض الآخر في تصريحه الأخير ولقائه مسؤولين من حزب الله، لكنّه لم يستفزّ حلفاءه الذين قرأوا في خطوته “إمساكاً للعصا من النصف وليس استدارة” كما ورد في “أساس”ميديا. فبحسب حلفائه، وبحسب كلامه للتلفزيون الأردني، لم يخرج من دوره السيادي، بل يحاول أن يعود إلى الوسط فيميل مع الرياح من دون أن يذهب إلى حزب الله. فهو قال بالحرف: أنّ “أيّ رئيس سيأتي يجب عليه أن يضع برنامج في كيفية الحوار مع حزب الله ووضع أولوية لاحقاً كيف تستطيع الدولة أن تستوعب سلاح الحزب ضمن الهيكلية الدفاعية للدولة اللبنانية، هذا هو برنامج الرئيس الى جانب النقاط الأخرى التي تحدثت عنها الاقتصادية الاجتماعية…”. وهذه نقطة لم ينتبه إليها كثيرون ممن اعتقدوا أنّ جنبلاط “استدار هذه المرّة”.

وجديد ما يقال حول هذا اللقاء حسب “الأنباء” الكويتية، هو اتفاق جنبلاط وزائريه، على مبدئية أن يكون رئيس الجمهورية المقبل توافقيا بالحد الأدنى، ولا يكون استفزازيا لأحد، ولا رماديا بالمطلق، وإلا لن تفتح أمامه أبواب الدول الشقيقة او الصديقة والتي يعول عليها لبنان في مرحلة الانقاذ اللاحقة، من خلال الودائع المالية وصندوق النقد الدولي.

وفي معلومات اضافية حول ما دار في اللقاء، سأل جنبلاط ضيفيه المعاون السياسي للسيد نصر الله حسين خليل، ومسؤول الارتباط في الحزب وفيق صفا، هل انتم مستعدون للقبول بانتخاب رئيس جمهورية من خارج فريق 8 آذار، وهل ان قضية التصعيد الحدودي أبعد من مسألة شد الحبال التفاوضية مع اسرائيل، وان لها ابعادا ايرانية وروسية، ضمن اطار الصراع مع العرب؟. وأضاف: من جهتنا، لا نوافق على خيار الحرب، لأنكم اذا دفعتم الأمور في هذا الاتجاه ستقضون على البلد وعلى آخر فرصة متاحة لاستنهاضه من خلال ثروته النفطية والغازية، وطالب جنبلاط الحزب عبر ممثليه بموقف واضح وصريح من موضوع صندوق النقد الدولي، منبها الى ان الخلاص المالي والاقتصادي في لبنان، لن يكون الا عبر هذا الصندوق.

واكتفى الزائران في الموضوع الرئاسي بتأكيد الانفتاح على النقاش في كل الخيارات، مع عدم الاعتراض على صندوق النقد والمفاوضات معه، مع التشديد على الحاجة الى درس التفاصيل. أما بخصوص ترسيم الحدود البحرية، فقد أكد الحاج خليل انه ليس لدى الحزب هوس الحرب، لكن اذا تمادى الاسرائيليون وتخلت الدولة عن دورها، فلن نبقى مكتوفي الأيدي.

إعلام حزب الله قال ان جنبلاط كرر موقفه بانتخاب رئيس الجمهورية يمثل الحد الأدنى من التوافق، والا يكون مستفزا لأحد، وهو ما أيده وفد الحزب، واعتبر ان الأمر بحاجة الى التشاور مع القوى السياسية.

واستفسر جنبلاط عن دعوة السيد نصر الله في ذكرى عاشوراء الى تشكيل حكومة حقيقية كاملة الصلاحيات، لتتحمل المسؤوليات في حال الشغور الرئاسي، وسأل ما اذا كان لدى الحزب مؤشر على عدم انتخاب رئيس للجمهورية، فأكد له خليل ان الحزب لا يريد الفراغ لأي من المؤسسات.

ووفق مصادر الحزب فإن جنبلاط أبدى اهتمامه بملف الترسيم، وسأل عن أهداف المسيرات التي أطلقها الحزب فوق سفينة التنقيب، فأجيب بالقول: ان ايران ليست بحاجة الى مسيرات لتحسين موقفها، وان هذه المسيرات هي لتحسين موقع لبنان في عملية التفاوض البحرية.

واستنتجت المصادر المتابعة من حديث جنبلاط عن رئيس توافقي من خارج 8 و14 آذار وقبول حزب الله ذلك من حيث المبدأ، ان لا مكان لسليمان فرنجية وجبران باسيل، وتاليا سمير جعجع في هذا السباق، الذي سيتقدمه ذوو الاتجاهات السياسية والتغييرية المقبولة.