التخطي إلى المحتوى

فيلم طريق مع وجهة غير مؤكدة ومعقدة على ما يبدو. رحلة عائلة مفكّكة لأسباب واضحة وأخرى غير واضحة. كوميديا ​​درامية تحتوي شيئاً من الميوزيكال، وشيئاً من الخيال العلمي، والكثير من الألم. “على الطريق” يملك خصائص عديدة للسينما الإيرانية التي نعرفها، لكن في الوقت نفسه، بعضها جديد تماماً أو نادراً ما نراه في تلك السينما. رغم ذلك، فكل شيء، بطريقة شبه سحرية، يُنتج فيلماً متماسكاً وأيضاً شخصياً للغاية.

نلتقي برباعي البطولة عند أحد التوقفات أثناء الرحلة، في وسط منطقة جبلية. الأب (حسن معجوني)، ضخم ومُلتحٍ، يرقد نائماً في المقعد الخلفي، بينما يعزف ابنه الأصغر (ريان سرلك) على بيانو مرسومة مفاتيحه على جبيرة جبس تغطي الساق اليسرى لوالده. اللحن الذي يعزفه الطفل هو نفسه الذي نسمعه في الموسيقى التصويرية المصاحبة للمشهد، ما يعطي فكرة أولية بأن الفيلم لن يذهب إلى الجانب الواقعي الأكثر تقليدية، وإنما صوب حكاية (غامقة) رابضة في ما هو آتٍ.

الشخصان الآخران هما الأم (بانتيا بناهيا)، التي تراقب كل شيء بوجه قلق لكنها تحاول الحفاظ على معنوياتها عالية، والابن الأكبر فريد (أمين سيميار)، الذي كان خارج السيارة التي يقودها، يأخذ استراحة من الطريق. هناك شخصية أخرى ستظهر لاحقاً: جيسي، كلب العائلة، الوديع، وربما المريض. وراء ظاهر كل شخصية، جانب غير بائن. في ما يقرب من نصف الفيلم نتابع مغامرات هذه المجموعة بنبرة مضحكة تماماً، رغم أنه يتضح من بعض التعليقات العابرة والجدّية على وجه فريد أن الرحلة لها وجهة خطيرة وأنها ليست عطلة، أو أي شيء من هذا القبيل.

خلال تلك الفترة على الأقل، الشخص الذي سيحمل الوتيرة المحمومة للفيلم سيكون الابن الأصغر، الذي يتحدث بلا توقف والمضحك جداً، والفكه والفصيح، وأيضاً المزعج جداً. ليس فقط لوالديه – اللذين يلاعبانه ويحادثانه ويجاريانه مرة بعد أخرى – ولكن للمُشاهد أيضاً. يعتمد الأمر على صبر كل مَن يشاهد الفيلم لتحديد ما إذا كان الطفل محبوباً أم خارج عن السيطرة. على الأرجح هو قليل من الاثنين. المؤكد أن الممثل الذي يقوم بالدور معجزة تمثيلية.

سيكون هناك جدال خائف حول هاتف خلوي مخفي، وستغنّي الأم والابن ويرقصان على أغنيات الراديو (من كلاسيكيات البوب ​​الإيراني من الستينيات والسبعينيات) على غرار أفلام بوليوود، ثم هناك تسلسل غير عادي – يليق تماماً بفيلم كوميدي – حين تصطدم السيارة براكب دراجة يتنافس في سباق ثم تقرر الأسرة أن تأخذه معها لمسافة معتبرة من الطريق. تدريجياً تظهر الخلفية الأكثر كثافة للحبكة في الحوارات: الأسرة ترافق فريد إلى الحدود التركية للقيام بشيء غير قانوني تماماً، إذ باعوا الكثير من ممتلكاتهم من أجله. لفترة طويلة لا نعرف ما هو هذا الشيء تحديداً، لكن من الواضح أنهم قلقون بشأن ملاحقتهم من طرفٍ مجهول (على الأغلب السلطات الرسمية).

يبدأ هذا المصير الدرامي بالسيطرة على الفيلم بعد ساعته الأولى، لكن ما لا يختفي أبداً هو النبرة المتقلبة نسبياً والبراعة البصرية للمخرج، الذي يحلّ الموقف تلو الموقف كما لو كان يقدم درساً في الميزانسين في كل حالة. منذ اللقطة الافتتاحية للفيلم إلى آخره. بناهي الابن (37 عاماً وعمل مساعداً لوالده ولعباس كيارستامي، وكلاهما من خبراء التقليد الإيراني الاستثنائي في صناعة الأفلام داخل السيارات وفي الطريق)، يبرهن موهبته في كيفية السرد بصرياً من دون لفت الانتباه بالضرورة إلى نفسه، وإنما بالأحرى حلّ معضلات التعامل مع المكان والزمان ببراعة وأناقة.

في بعض المناسبات، سيستخدم الكاميرا بطريقة جذرية إلى حد ما. في الواقع، ربما يكون أهم تسلسل في الفيلم بأكمله، ذلك المصوَّر على بعد مئات الأمتار من الأحداث، في لقطة ثابتة لكن جميلة وساحرة ودرامية للغاية. في البعض الآخر، سيطلق العنان لمشاعره السينمائية وحبّه للسينما، ويظهر تأثيراته ومراجعه بطريقة مرحة. فريد مهووس بالسينما، وفي الحوار الوحيد الذي يدور بينه وبين والدته حول هذا الموضوع، سيتحدث عن فيلم خيال علمي كلاسيكي سيعطي بعض الدلائل عما سنراه لاحقاً، مثلما سيشتغل مقدمةً لتلك اللحظة الساحرة المشار إليها.

على الطريق” أوله مضحك وأوسطه غامض وآخره سياسي مؤلم… هو واحد من تلك الأفلام التي تكشف، ليس فقط موهبة المخرج، وإنما أيضاً شيئاً من الحكمة ليست شائعة لدى صانعي الأفلام في بواكيرهم الإخراجية. بعيداً من الطريقة الحازمة التي ينظم بها الأحداث بصرياً، لا ينسى بناهي الإبن أنه يروي قصة مجموعة من البشر، ولا يترك مساراتهم العاطفية جانباً. هم شخصيات معقدة، حتى لو كان لديهم طفل مزعج يشتت انتباههم في بعض الأحيان، متورطون في موقف عويص سيجدون صعوبة في تخليص أنفسهم منه. يمكن للسينما أن تقدم سحراً وموسيقى وطفلاً لافتاً وحتى كلباً محبوباً، لكن الواقع الأقسى يستمر في تحديد الأجندة.

يقدّم بناه بناهي فيلماً لافتاً يضعه اسماً يجب الانتباه إليه في السنوات المقبلة، فيلم مَدين لتقاليد معيّنة (مزيج من شعرية “ستحملنا الريح” لعباس كيارستمي، لكن مع الخلفية السياسية لسينما والده)، ويحاول في الوقت نفسه إيجاد مسار شخصي، ليقول أشياء عن ضرورة الفرار من إيران في مواجهة ضغوط نظامها السياسي، وعن الخسارات والوداعات المحتومة، وارتباط المآسي الإنسانية بسرّ الحياة التي لا تتوقف عن الحدوث.