التخطي إلى المحتوى

حكايتها مع السينما تحتاج إلى إعادة مُشاهدة أفلامها القليلة (كول بنيتس/ Getty)

يصعب عدم استعادة Grease فور شيوع نبأ رحيلها. المغنية والممثلة الإنكليزية الأسترالية أوليفيا نيوتن ــ جون تصنع من الفيلم لحظة تغيير في مساراتٍ، غير مقتصرة على مشاركين فيه، وأبرزهم جون ترافولتا، إذْ يبلغ الإحساس بتغييرٍ ما مُشاهدين ومُشاهدات يعتبرونه، منذ إطلاق عروضه التجارية عام 1978، منطلقاً لوعي مغاير عن السابق عليه، ولحظة تأمّل في معنى التمرّد والخروج، بالأغاني والرقص، من ضيق واختناق، أو محاولة الخروج، على الأقلّ.
يعود Grease، للأميركي راندل كلايزر، إلى صيف 1958، لسرد حكاية حبّ بين ساندي أولسن (نيوتن ــ جون) وداني زوكو (ترافولتا)، الممتدة إلى العام الدراسي اللاحق لهذا الصيف، وخمسينيات القرن الـ20 في الولايات المتحدّة الأميركية غارقةٌ في الماكارثية (1950 ـ 1954) والحرب الكورية (1950 ـ 1953)، وتداعيات الحرب الباردة (1947 ـ 1991).
يستحيل ربط الفيلم، مباشرةً، بهذا كلّه. لكنّ المناخ الأميركي العام، حينها، يعيش غلياناً في الاجتماع والسياسة والثقافة، وهوليوود ترزح تحت وطأة الماكارثية وآثارها المستمرّة أعواماً عدّة، ما يجعلها ترغب في منح المشاهدين تسليةً ومرحاً، بإنتاج أفلامٍ منتمية إلى الكوميديا الموسيقية، التي تُشارك أوليفيا نيوتن ــ جون فيها مجدّداً، بعد عامين اثنين فقط، ومع جون ترافولتا نفسه، في Xanadu لروبرت غرينوالد. لكنّ تذكّره سيكون حكراً على قلّةٍ، رغم اعتباره امتداداً ما للأول، أقلّه في مفهوم الكوميديا الموسيقية، التي ترتكز، هنا، على أسطورة يونانية، متمثّلة بـ Terpsichore، مُلهمة الرقص، وابنة زيوس ومْنِموزين.
في مقابل “إسراف” Grease في ابتكار لوحات استعراضية وغنائية، يصعب نسيانها، لسرد حكاية حبّ وصراع دائر بين عصابتي “تي ـ بيردز (T-Birds)”، بقيادة زوكو، و”العقارب (Scorpions)، ما يُذكّر بـ”قصّة الحي الغربيّ” (1961)، لجيروم روبنز وروبرت وايز، مثلاً؛ يميل Xanadu إلى تفاصيل أدقّ وأعمق في معنى العلاقات والحبّ، الذي سيكون مستحيلاً، فالرسّام سوني مالون (مايكل بَكْ) مغرم بالشابة الجميلة كيرا (نيوتن ــ جون)، فيجهد في استمالتها إليه، قبل اكتشافه أنّها “مُلهمة الرقص اليونانية”، ما يعني استحالة الارتباط بها.

تفسيرات مختصرة كهذه، في كتابةٍ عن أوليفيا نيوتن ــ جون في رحيلها (1948 ـ 2022)، غير مانحةٍ الفيلمين حقّاً نقدياً، يُفترض به أن يعاين، عبرهما، حالة سينمائية (الكوميديا الموسيقية تحديداً)، مُختفية بشكلٍ شبه تام في صناعة هوليوود حالياً، باستثناء محاولات نادرة للغاية، بين حين وآخر، بينها “رائعة” ستيفن سبيلبيرغ، مخرج نسخةٍ جديدة من “قصّة الحيّ الغربي” (2021). لكنّ اختيارهما منبثق من كون Grease مؤسّس شهرة ترافولتا إلى جانب نيوتن ــ جون، ومن كون Xanadu استمرارا لنهجٍ هوليوودي في تحويل ثقافة وفنون إلى اشتغالاتٍ بصرية، مُثيرة لمتعة المُشاهدة والتفكير في بناها الدرامية والفنية والأدائية.
اللقاء السينمائي الثاني بين نيوتن ــ جون وترافولتا، الحاصل عام 1983، مختلفٌ عن أول لقاء. فـ”فرصة ثانية” (عنوانه الأصلي اثنان من النوع نفسه، كترجمة حرفية للعنوان الإنكليزي Two Of A Kind)، لجون هرزْفلد، يجمع شيئاً من الكوميديا بالنوع الخارج عن العادي والواقعي في حياة الناس. ذلك أنّ زاك (ترافولتا) وديبي (نيوتن ــ جون) سيُختاران من ملائكةٍ، تواجِه تحدّياً مفروضاً عليها، لأنّها تفشل في حماية الأرض. الثنائي البشريّ مُطالَبٌ بإقناع “المعنيّ الأول” بأنّهما يستحقان حبّه وعطفه، وهذا يدفع الجميع إلى عيش اختبارات، ومقارعة مصاعب، وخوض مغامرات، يُضفي الثنائي نيوتن ــ جون/ ترافولتا عليها مسحةً من رشاقة أداء، ومصداقية تمثيل، وعفوية حضور، متأتية كلّها من انسجامٍ حاضر بينهما منذ أول لقاء سينمائي.
الاشتغالات السينمائية لأوليفيا نيوتن ــ جون أقلّ عدداً من حضورها في الموسيقى والغناء. مشاركتها في أفلامٍ قصيرة وأخرى تلفزيونية، إلى مسلسلات مختلفة، أقلّ من إصداراتها لأسطواناتٍ جمّة. لكنّ إطلالاتها على الشاشة الكبيرة كفيلةٌ، رغم قلّتها، في ترك أثرٍ باقٍ إلى لحظة وفاتها (8 أغسطس/آب 2022)، بعد 30 عاماً من كفاحٍ يومي ضد سرطان الثديّ، الذي يتغلّب عليها، مُنهياً سيرة امرأة، تُشكِّل أحد طرفي علاقة سينمائية، سيكونان (الطرفان) أحد أجمل الثنائيات في حكاية الكوميديا الموسيقية.
تمثيلها في “إنّها حفلتي” (1996)، لراندل كلايزر، تلبية لرغبة في إحياء قصة حقيقية، يعيشها المخرج نفسه، المرتبط بعلاقة طويلة مع المعماري والمُصمّم هاري شتاين، الذي يُقرّر وضع حدٍّ لحياته، عام 1992، تماماً كالحاصل في الفيلم: نِك ستارك (إريك روبرتس)، مهندس معماري لامع، يُقرّر الانتحار بعد إصابته بمرض “فقدان المناعة المكتسبة (أيدز)”، لعجزه عن الاستمرار في عيش حياته معه. يُنظّم حفلةً، يُريدها وداعية، داعياً أصدقاءه وأفراد عائلته. في الحفلة، تحدث أمورٌ كثيرة، سيكون لها تأثيرٌ كبير عليه.

هذه المشاركة تحصل قبل 6 أعوام على آخر فيلمٍ سينمائي لها (2012)، “أفضل رجل لي (أو عددٌ قليل من أفضل الرجال، كما العنوان الأصلي A Few Best Men)، لستفان إليوت. قصة حب، أيضاً، ورغبة في زواج، وعلاقات عائلية، وصداقات عدّة، تؤدّي فيها أوليفيا نيوتن ــ جون دوراً عادياً وغير فاعلٍ كأدوارٍ سابقة لها.

حكاية أوليفيا نيوتن ــ جون مع السينما، تحديداً، تحتاج إلى إعادة مُشاهدة أفلامها القليلة، لتبيان موقعها الاحترافيّ في صناعةٍ، يبدو أنّها (نيوتن ــ جون) اختبرت عوالمها من دون رغبةٍ في التورّط أكثر فيها. اشتغالها في صناعة الموسيقى والغناء كافٍ لوحده كي يُغرقها في اضطرابات وقلاقل. رغم هذا، تبقى صورتها السينمائية، وإنْ في أدوار قليلة للغاية، أشبه بأيقونةٍ تمسّ كثيرين وكثيراتٍ.