التخطي إلى المحتوى

شهد جمهور مسرح “دوار الشمس” في بيروت، العرض الكوميدي “آرليتي في لبنان”، المُنتج بالتعاون بين فرقة “فرانسوا سرفانتس” ومجموعة “كهربا”، وبدعم من السفارة الفرنسية في لبنان وبيت الفنان حمانا. العرض من إخراج فرانسوا سرفانتس، أداء: كاثرين جيرمان بدور المهرجة آرليتي، وأورليان الزوقي بدور المترجم.

تدور أحداث العرض حول الزيارة الثانية للمهرجة الفرنسية آرليتي إلى لبنان، حيث سيتم عرض مسرحي، لأجل ذلك تستعين بمترجم لأب لبناني وأم فرنسية “الزوقي” من أجل تسهيل شؤون رحلتها. يشغل بال آرليتي مفاهيم الاكتشاف والتواصل: تواصلها مع الجمهور، ومع مترجمها الذي يحاول مراراً أن يعيدها إلى “المُتوقّع” و”المُتّفَق عليه”، مظهراً للجمهور إحراجه من تشتّت أفكارها وعدم قدرتها على بدء العرض.

يفقد المترجم صوابه غاضباً بعد محاولات متكررة للبدء بالعرض، فتخاف منه آرليتي وتفر هاربة إلى الكرسي المخصّص لها. وما إن تخمد ثورة غضبه، حتى تقوم بخلع قبعتها ومعطفها، وتهم بملاطفته وعناقه والتحدث إلى أجزاء من جسده بريبة. ثمّ تسأله بعد ذلك عن حياته، فيُجيب دون تردد. لكنّ حين يُبادلها السؤال تتهرب من الإجابة، تجيبه بـ”لا أعرف”، وتعيد سرد أحداث يعرفها الجمهور مسبقاً، لينتهي العرض قبل أن يشعر الجمهور بأنه قد بدأ بالفعل.

Photo credit: Eric Deniaud

العرض عبارة عن مناورات آرليتي المستمرة للخروج أو للتهرّب من موضوع العرض الذي لا نعرفه، إلى أن يظهر محفّزها الوحيد للإسهاب في الحديث، مُجيبةً عن سؤال أورليان عن المسرح، بقولها إنّها تحبّ التحدث إلى الناس الذين يأتون لحضور المسرح. بعد ذلك، تؤدي مونولوجاً ذا طبيعة خاصة، يتسم بالتورية والاختزال، فيدمج ما بين الكلمات العابرة، معاناة آرليتي، رؤاها للعالم، فلسفتها، خطابها إلى الجمهور وخطابها للمترجم.

دور آرليتي، والذي برعت جيرمان في أدائه، ساهم في إكساب العرض رشاقة كافيةً للانتقال بين الموضوعات، وللإيحاء بأنّه عرض مفكّك. مفكّك إلى الدرجة الّتي تتساءل معها بعد انتهائه: “لماذا لم يبدأ العرض؟”، ثمّ تُسائل نفسك سؤالاً أكثر تعقيداً بعد عودتك إلى بيتك: “لماذا بنيتُ توقّعاتي على عرضٍ كان من المفترض أن أعيش معه كلّ لحظة بلحظتها؟ لماذا أنهكتُ نفسي بالتوقّعات؟”.

تزور المهرّجة الفنرسية آرليتي بيروت للمرة الثانية، وبالتعاون مع مترجمها الحائر في شأنها، تأخذ الجمهور في رحلة لاكتشاف الضحك، الطبيعة البشرية، و اللغة الجسدية كوسيط عالمي للتواصل

هذا الانتقال يعكس ذكاء صنعة البناء الدرامي، مع بساطة متعمّدة في الرؤية الإخراجية انعكست على سينوغرافيا العرض، فالفضاء شبه فارغ: كرسي في مقدمة ويمين المسرح، طاولة عليها إبريق ماء وكوب في منتصف المسرح، وخلف الطاولة يوجد كرسي مخصص لآرليتي. اعتمدت فرقة “سرفانتس” على الإضاءة بشكل أساسي لتقديم عرض لا مكان فيه للجدار الرابع كسراً للإيهام، يتضح فيه الفرق ما بين أداء المهرج وأداء الممثل، فالإضاءة كانت موجهة إلى الصالة والخشبة خلال أداء آرليتي، ثمّ تبدأ بالاختفاء تدريجياً حينما يبدأ المترجم بالحديث، الأمر الذي يطرح مفارقة بين منظورين مختلفين للمسرح: منظور الممثل الملتزم بالنص والذي يسعى لإدخال المتلقي في لعبة الإيهام، ومنظور المهرج الذي يرى المسرح على أنه وسيلة للتواصل واللعب.

Photo credit: Eric Deniaud

خلال العرض، وبعد أن يتم التراضي ما بين المترجم وآرليتي، تنطفئ الإضاءة مباشرةً بعد أن يقول المترجم: “هلأ رح نقدر نكمّل”، في تلك الأثناء وخلال العتمة يعتذر فريق العمل إلى الجمهور، ويطلب مساعدة أحد العاملين في المسرح، الذي يصلح بدوره العطل مباشرة. يتّضح في النهاية أنّ انقطاع التيّار كان مُتعمّداً في هذا العرض القائم على التواصل، وكأنّه، على مستوى عامّ، تجسيد لأزمة التواصل السياسيّة الاجتماعيّة الّتي يعاني منها الشعب اللبنانيّ بخاصّة، مع السلطة الّتي تبني بينها وبينه الجدران اللازمة للصمت والعجز؛ وعلى مستوى خاصّ إشارة إلى وقوف فريق العمل مع حملة “#أنقذوا_مسرح_دوار_الشمس” التي أطلقها ناشطون ومسرحيون خلال الشهر الفائت، بسبب ختم بلدية بيروت المولد الكهربائي للمسرح بالشمع الأحمر، بحجة عدم ملائمته للشروط البيئية.

يولي العرض مفهوم العلاقة الإنسانية أهمية كبيرة، ويضعها في مكانة خاصة، فيعرّف المسرح على أنه التواصل الحي بين المؤدي والجمهور، مستبعداً شرط وجود لغة ذات نظام محدد. لهذا ترد هذه الجملة في الدعوة المنشورة على صفحات التواصل الاجتماعي: “لقد قيل إنّ أوّل نص معروف إلى تاريخنا اليوم كان وليد لقاء شخصين يعيشان في نفس المكان ويتحدّثان لغتين مختلفتين كليّاً”.

الهم الأساسي لآرليتي هو التواصل مع المحيط الاجتماعي متحرّرةً من قواعد المسرح، وكأن العرض لا يهدف إلى تأدية دور محدد أمام الجمهور، بل ذريعة للقاء الموجودين والاستمتاع بحضورهم

الهم الأساسي لآرليتي هو التواصل مع المحيط الاجتماعي متحرّرةً من قواعد المسرح، وكأن العرض لا يهدف إلى تأدية دور محدد أمام الجمهور- الدور الذي وقع “المترجم” في شباكه- بل ذريعة للقاء الجمهور والاستمتاع بحضورهم، فما إن يلتصق الجمهور بالسياق الذي يرسمه المترجم، حتى تعيد آرليتي تحريره منه، متجولةً في كل الاتجاهات ضمن الفضاء، باحثةً عن الأشخاص، وربما شخص محدد كانت قد فقدته وذكرته في مونولوجها.

Photo credit: Eric Deniaud

أشد اللحظات متعةً بالنسبة لآرليتي كانت تلك التي نزلت فيها عن الخشبة لتقفز بين الجمهور، حاملةً في جعبتها همها الأساسي: متعة الحضور والتواصل والاقتراب من الأشخاص، فكلما تحدثت إلى مترجمها التصقت به، وكلما تحدثت إلى الجمهور اقتربت إلى مقدمة الخشبة، غير آبهة بـ “الميزانسين”- توازن الخشبة، مركّزةً حركتها بين الجانب الأيمن حيث يوجد المترجم، وبين مقدمة المسرح حيث الجمهور، مغيّبةً الجانب الأيسر من الخشبة، لا تذهب إليه وتدخل كواليسه، إلا حينما تعتقد بوجود ممثلين في الداخل، فتترك خشبة المسرح باحثةً عنهم/نّ.

لا قيمة للأماكن بالنسبة لآرليتي بدون أشخاص يتمّ التواصل معهم، إذ تقول: “لا أحتاج إلى مكان، فأنا لست بحاجة إلى الراحة، حياتي قصيرة جداً مثل فكرة ستختفي… المسرح جميل جداً”.

Photo credit: Eric Deniaud

يرتبط النجاح في أغلب عروض التهريج بمقدار التسلية التي يحققها، والتي لا وحدة قياس لها، لكن الضحك الذي يتردد صداه بين الجمهور مؤشرٌ على تحقيق المتعة، وعلى ذلك، حقّق العرض غايته. لكن لماذا الضحك؟ أو ما هي أكثر اللحظات إمتاعاً للجمهور؟

يحتوي العرض على مجموعة من مولدات الضحك، ككوميديا الموقف، والتكرار، والحدث المفاجئ، والتلاعب بالكلمات، لكن أكثر اللحظات التي تعالت فيها ضحكات الجمهور خلال العرض، تلك التي كانت مبنيّة على لغة آرليتي الجسدية، فقد كانت أكثر بلاغة من اللغات المنطوقة على الخشبة، هكذا تفرّدت جيرمان في استخدام الجسد كلغة للتعبير عن الشخصية واهتماماتها، والأهم، توظيفه كذاكرة يعاد عبرها إنتاج المعنى، أو تحديد الموقف من الظرف الراهن.

المولد الثاني للضحك يكمن في الأصوات التي تحمل مشاعر إنسانية بسيطة، والتي يمكن فهمها دون وضعها في سياق لغويّ محدد كالضحك مثلاً، أو أن تصدر آرليتي صوتاً خلال شربها للماء، يعيد المترجم آلياً تكراره. أمّا الثالث فنوعٌ آخر من الأصوات، أو اللغة الثالثة، وذلك حينما تحاول آرليتي أن تتحدث اللغة العربية بعد أن سمعت المترجم يقوم بذكر بعض الكلمات، فراحت تصدر بعض الأصوات التي تعتقد بأنها لغة عربية.

تفرّدت آرليتي في استخدام الجسد كلغة للتعبير عن الشخصية واهتماماتها ووظفته كذاكرة يعاد عبرها  إنتاج المعنى أو تحديد الموقف من الظرف الراهن، كانقطاع الكهرباء، العجز عن الأداء، مغالطات الترجمة

يتخلل العرض مونولوجات شعرية، ومقتطفات من قصائد اللبناني وديع سعادة عن الاغتراب والفقد والوحدة، انتهى بها العرض. هذه القصائد كسرت الضحك، ومنحت الجمهور مساحةً للتفكير في المعنى، أو التساؤل عن الوجه الحزين للمهرّج المبتسم على الدوام. هذا الشعر الذي يبدو خارج السياق، كان أشبه بمحاولة لتعرية التسلية، ورمي حزن آرليتي في مساحة المستمع، بعد أن أزالت وجه المهرج وظهرت كاثرين جيرمان بثيابها. هكذا برزت المفارقة واضحةً بين أسلوب المهرّج، السهل الممتنع، وبين تعقيد الحياة البشريّة. جاء هذا تذكيراً بأنّنا لسنا هنا إلّا لنمدّ جسور التواصل الّتي ما إن تلتئم حتّى يُعاد قطعها، بعوامل خارجيّة وداخليّة لا حصر لها.

التواصل، اللغة، الترجمة، الضحك، التقدّم في العمر، الشباب، الشعر، البوح، المحادثات… مفاهيم أعاد “آرليتي في لبنان” خلخلتها بالأسئلة، أو بإثارة الأسئلة. هكذا، شكّل العرض ما يشبه جلسة عصف أفكار جماعيّة، أو اكتشافاً للمعنى في تبادل أطراف الحديث. اكتشاف لمعنى لا يحدُث إلّا في العلاقة الحميمة الّتي تركّز على التواصل مع الآخر بلا لغة وسيطة، بين الأنا والآخر، وبين المهرّج والجمهور، العلاقة التي في أشدّ حميميّتها وخفّتها وارتياحها، تتكلّل بالضحك.

إنني أحب السرقة، سرقة جُمَل وكلمات وكتب، من الجيد أن تحكي كلاماً لنا، ربما… نحن لا نستطيع أن نتحدث، إنما نقوم بسرقة الجُمَل، ومن ثم نعيدها.

التغريدات:

تزور المهرّجة الفنرسية آرليتي بيروت للمرة الثانية، وبالتعاون مع مترجمها الحائر في شأنها، تأخذ الجمهور في رحلة لاكتشاف الضحك، الطبيعة البشرية، واللغة الجسدية كوسيط عالمي للتواصل

الهم الأساسي لآرليتي هو التواصل مع المحيط الاجتماعي متحرّرةً من قواعد المسرح، وكأن العرض لا يهدف إلى تأدية دور محدد أمام الجمهور، بل ذريعة للقاء الموجودين والاستمتاع بحضورهم

تفرّدت آرليتي في استخدام الجسد كلغة للتعبير عن الشخصية واهتماماتها، ووظفته كذاكرة يعاد عبرها إنتاج المعنى أو تحديد الموقف من الظرف الراهن، كانقطاع الكهرباء، العجز عن الأداء، مغالطات الترجمة…